إيران على حافة التحول الكبير.. بين ضغط الشارع وخيارات ترامب المفتوحة
تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً منذ قيام الجمهورية الإسلامية، في ظل تصاعد غير مسبوق للاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها جغرافياً واجتماعياً، ما حوّل الشارع الإيراني إلى عنصر ضغط مباشر على بنية النظام السياسية والأمنية.
هذه الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب اقتصادية أو معيشية، بل باتت تعكس أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والنظام الحالي، خصوصاً مع استمرار تدهور العملة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب الإحساس العام بانسداد الأفق السياسي. في المقابل، يواجه النظام الايراني هذا الحراك بسياسة أمنية صارمة، مدعومة بمحاولات لإظهار التماسك عبر تنظيم مسيرات موالية، إلا أن هذا النهج لم ينجح حتى الآن في احتواء الغضب المتراكم، بل ساهم في تعميق الشرخ الداخلي وزيادة الضغوط الخارجية.
إدارة ترامب والعودة إلى سياسة الضغط الأقصى
على الضفة الأخرى، تراقب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التطورات في إيران من زاوية استراتيجية مختلفة عن الإدارات السابقة، تقوم على مبدأ استثمار الضعف الداخلي وتعظيم أدوات الضغط بدل الاندفاع نحو حلول دبلوماسية تقليدية. خطاب ترامب العلني تجاه طهران، الذي يجمع بين التهديد والتحريض السياسي، يعكس قناعة راسخة داخل إدارته بأن النظام الإيراني يعيش لحظة هشاشة تاريخية يمكن استغلالها لإعادة تشكيل سلوكه الإقليمي أو دفعه نحو تنازلات جوهرية.
هذا التوجه أعاد إلى الواجهة سياسة الضغط الأقصى بنسخة أكثر تشدداً، تشمل العقوبات الاقتصادية الخانقة، والعزل الدبلوماسي، والتلويح باستخدام القوة العسكرية دون الالتزام فعلياً بخوض حرب شاملة.
الخيار العسكري المحدود كأداة ردع
ضمن حسابات إدارة ترامب، يبرز خيار التصعيد العسكري المحدود كأحد السيناريوهات الأكثر تداولاً، ليس بهدف إسقاط النظام فحسب، بل لإعادة ترسيم خطوط الردع وفرض وقائع جديدة على الأرض.
هذا الخيار قد يتمثل في ضربات نوعية تستهدف منشآت عسكرية أو قدرات صاروخية أو بنى مرتبطة بالبرنامج النووي، في رسالة مباشرة بأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة إذا تجاوزت طهران الخطوط الحمراء.
إلا أن هذا المسار يظل محفوفاً بالمخاطر، نظراً لاحتمالات الرد الإيراني غير المباشر عبر حلفائه في المنطقة، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع قد يصعب التحكم بمآلاته.
الضغط الاقتصادي والدعم السياسي للشارع
السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب يتمثل في استمرار الضغط الاقتصادي المكثف، بالتوازي مع دعم سياسي وإعلامي للاحتجاجات الداخلية دون تدخل عسكري مباشر.
هذا النهج ينسجم مع فلسفة ترامب القائمة على إنهاك الخصم من الداخل وترك كلفة المواجهة تقع على النظام ذاته.
فالعقوبات المشددة، وتقييد صادرات النفط، وتشديد الرقابة على التحويلات المالية، جميعها أدوات تهدف إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، بما يزيد من الضغوط الشعبية ويضع النظام الإيراني أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في القمع أو تقديم تنازلات سياسية واقتصادية.
إمكانية الحوار المشروط وحدودها
رغم الخطاب التصعيدي، لا تستبعد إدارة ترامب فتح قنوات تواصل مشروطة إذا ما رأت تغيراً ملموساً في سلوك طهران، سواءً داخلياً أو إقليمياً.
غير أن هذا الخيار يظل ضعيف الحضور في المرحلة الحالية، نظراً لانعدام الثقة المتبادل، وإصرار واشنطن على فرض شروط قاسية تتعلق بالبرنامج النووي والدور الإقليمي وملف حقوق الإنسان.
في المقابل، يدرك النظام الإيراني أن أي انفتاح غير محسوب قد يُفسَّر داخلياً كضعف، ما يحد من قدرته على المناورة الدبلوماسية في ظل اشتعال الشارع.
التداعيات الإقليمية واحتمالات الانفجار
أي تطور دراماتيكي في الداخل الإيراني أو في الموقف الأميركي سينعكس حتماً على المنطقة بأكملها، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن فإيران، التي بنت نفوذها الإقليمي على شبكة معقدة من التحالفات، قد تلجأ إلى استخدام هذه الأوراق للرد على الضغوط أو لصرف الأنظار عن أزمتها الداخلية.
في المقابل، تدرك واشنطن وحلفاؤها أن انهياراً مفاجئاً أو فوضى داخل إيران قد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة، تتجاوز حدود الصراع التقليدي.
خلاصة المشهد بين التصعيد والترقب
إيران تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث يتقاطع الغضب الشعبي مع حسابات دولية معقدة تقودها إدارة أميركية لا تؤمن بأنصاف الحلول.
وبينما يراهن ترامب على الوقت والضغط لتغيير سلوك النظام أو إضعافه، يراهن الأخير على الصمود واحتواء العاصفة بأدوات أمنية وسياسية تقليدية.
غير أن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون حافلة بالتحولات، وأن أي خطأ في الحسابات، سواء من الداخل الإيراني وقمع النظام الايراني للداخل أو من الخارج الأميركي، قد يدفع بالمنطقة إلى مسار أكثر خطورة وتعقيداً.
لكن ما يجدر التأكيد عليه من خلال تصاعد الاحتجاجات في الشارع الإيراني المناهض للنظام الحاكم في إيران قد تأتي ثمارها حتى وإن اشتدت الآلة القمعية من قبل الحرس الثوري ضد الاحتجاجات والمتظاهرين في مختلف المدن الإيرانية.