إب.. جريمة بلا جنازة

ليست إب مجرد محافظة يمنية تتكئ على كتفي الجبل وتغتسل كل صباح بندى الخضرة، بل هي ذاكرة وطن، وضمير مكان، ومرآة مكشوفة لما آل إليه حال الإنسان اليمني تحت سلطة مليشيا لا ترى في البشر سوى أرقام قابلة للكسر، ولا في الحقوق سوى غنائم مؤجلة.

إب اليوم لا تُظلم صدفة، بل تُستهدف عمداً. تُستهدف لأنها كانت، عبر تاريخها، مدينة الحياة، مدينة التوازن، وملاذ الفلاح والعامل والمعلم، ومخزن القيم المدنية في بلد أنهكته السلالة والحرب. ولهذا، كان لا بد من كسرها، لا بالمدافع وحدها، بل بإهانة الإنسان فيها، وتجفيف المعنى من تفاصيل يومه، وتحويل العدالة إلى لافتة بلا باب.

في إب، لا يُقتل الرجل مرةً واحدة. يُقتل حين تُسلب كرامته، ويُقتل حين يُختطف صوته، ويُقتل حين يُصادر حقه في السؤال، ويُقتل أخيراً حين تُحتجز جثته رهينةً في ثلاجة سلطةٍ لا تشبع من الإذلال.

قضية الشيخ صادق أبو شعر ليست حادثة جنائية عابرة، ولا خلافاً شخصياً كما يحاول الحوثيون تصويره. إنها اختبار فاضح لمعنى الدولة حين تختفي، ولمفهوم العدالة حين تُدار بالعصبية، ولمستقبل المجتمع حين تُكسر أعرافه أمام سطوة السلاح.

أن يُقتل رجلٌ بهذه المكانة، وبتلك الطريقة ثم يُمنع أهله من استلام جثمانه، فذلك ليس فقط انتهاكاً للحق في الحياة، بل عدوانٌ سافر على الموت نفسه، على طقوس الوداع، وعلى آخر ما يملكه الإنسان حين يُغلب... كرامة الرحيل.

احتجاز الجثة ليس إجراءً أمنياً، بل رسالة سياسية غليظة تقول لأبناء إب؛ نحن نملك حتى حقكم في البكاء.

ومن صادق أبو شعر، تتفرع ألف قضية، وألف جرح. تُصادر الأراضي باسم القوة، وتُنهب الممتلكات باسم “المجهود ”، وتُخنق الحريات باسم “الهوية”، ويُهان المشايخ والوجهاء لا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم لم يعودوا أدوات مُطيعة.

حتى المشيخة، ذلك الرمز الاجتماعي المتجذر، جرى تفريغها من معناها، حين أصبح الشيخ عاجزاً عن حماية نفسه، فضلاً عن مجتمعه، فاختار بعضهم أن يتنازل عنها احتجاجاً، لا ضعفاً، بل صرخةً أخيرة في وجه الإذلال.

إب تُدار اليوم بعقلية الغطرسة لا بعقل الدولة. عقلية ترى في الناس رعايا لا مواطنين، وفي القانون عائقاً لا مرجعاً، وفي السلاح حَكَماً أعلى من القضاء.

ولهذا، لا غرابة أن تتكدس السجون بالمخفين، وأن يُستدعى الأكاديميون بدل تكريمهم، وأن يُلاحق المعلم بدل إنصافه، وأن يُعامل المواطن وكأنه متهمٌ دائم حتى يثبت ولاؤه.

ومع ذلك، فإن إب، رغم هذا الثقل، لم تنكسر. ما زالت تحتفظ بوجعها النبيل، ذلك الوجع الذي لا يتحول إلى حقد، بل إلى ذاكرةٍ حية.

وما زال أبناؤها، رغم القهر، يميزون بين الدولة والجماعات المسلحة، وبين السلطة والحق، وبين القوة والمسؤولية.

وهذا أخطر ما تخشاه الغطرسة... وعي المظلوم.

إن مأساة إب ليست في كثرة الانتهاكات فحسب، بل في محاولة تطبيعها، وتحويل الظلم إلى روتين، والجريمة إلى إجراء.

لكن التاريخ لا ينسى، والدم لا يُمحى بالتقارير، والجثث المحتجزة تتحول، يوماً ما، إلى شهادات إدانة لا تسقط بالتقادم.

إب لا تطلب امتيازاً بل حقاً. لا تطلب ثأراً، بل عدالة.

لا تطلب حرباً، بل كرامة. ومن لا يفهم هذا، سيكتشف متأخراً أن المدن الصامتة أخطر من المدن الصاخبة، وأن الصبر حين ينفد لا يُعلن عن نفسه إلا بعد أن يكون كل شيء قد تغيّر.

ستبقى إب، مهما أُثخنت بالجراح، عصيّة على التحول إلى مزرعة خوف.

وستبقى قضية صادق أبو شعر، وقضايا أبنائها، علامةً سوداء في سجل الغطرسة، ووصمةً أخلاقية لا تمحوها القوة، ولا تُغلقها الثلاجات.