جبهة خليجية مصرية لمواجهة "الإخوان".. حكام صنعاء أمام امتحان مباغت

عربيا.. لم يكن بمستطاع، أوأنه لم يشأ، أحد فعل شيء لوقف التساقط التتابعي المتسلسل لأحجار الدومينو العربي وبدا وكأن البقية ينتظرهم الدور. ولعل هذا هو ما أحدث الفارق لاحقا وتغيرت على ضوئه المواقف ضدا، فيما بقيت قطر تتصدر تيارا كان من الواضح للعيان أنه ينحسر ويتراجع بقوة تدخل سعودي إماراتي في خط الأحداث وتوجيهها بطريقة تبتعد عن توقعات وغايات الممول القطري لقاطرة الفوضى المنظمة، غربية المنشأ والصنع، التي راحت تتحرك دون توقف أو مراعاة لإشارات مرورية كثيرة نصبت ورفعت على جانبي الطريق. يقف وراء الدفة في قمرة القيادة الإخوان، جماعة وتنظيما دوليا، برخصة سواقة أمريكية!

قطر في أوكرانيا!

في الضفة الأخرى العربية، وعلى صلة، ربما، بالملف الأوكراني. وغير بعيد عن المجرى والمجال العام للأحداث ككل. شهدت العلاقات بين موسكو وقطر سجالا حادا ومواجهات ديبلوماسية وسياسية عالية النبرة من قبل الروس خصوصا إزاء مساعٍ وتحركات قطرية للإضرار بالمصالح الروسية في أوكرانيا بالتزامن مع الدور الخطير الذي لعبته الدوحة خلال أحداث وفوضى الربيع العربي وخلخلة النفوذ والدور الروسي في الخارطة العربية لصالح الغرب. لعل روسيا استبقت دولا إقليمية عربية مهمة في استشعار الخطر الذي تمثله التحركات القطرية نيابة عن الغرب. وربما أيضا يكون في الملمح ما يغني عن التفصيل من إشارة إلى الدور التخريبي الذي حدث هنا على خط العلاقات الروسية الخليجية وخصوصا مع الرياض!

حاولت قطر لا بل تحركت فعليا لتنفيذ استثمارات كبيرة في أوكرانيا وبذلت عروضا ومحاولات لإغراء السلطات واستمالتها عبر ضخ مبالغ كبيرة في قطاع الطاقة. مستفيدة من خبرة نسبية بفضل مخزونها الطبيعي من الغاز والذي وفر لها مورد دخل عالمي وبالتالي خبرة خاصة في مجال صناعة وتصدير الغاز الطبيعي. وعرضت الدوحة على كييف تمويل مشروع عملاق لإنشاء خطوط بديلة لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر البحر الأسود وبالتعاون مع تركيا. ما يعني عزل خطوط ومشاريع الطاقة والنقل الروسية والإضرار مباشرة بمصالح وفوائد وعوائد مالية كبيرة تجنيها موسكو إضافة إلى العمالة التي تنخرط في سوق الطاقة والنقل وفرص العمل التي توفرها. دائما كانت مجمل هذه التحركات محل رصد ومراقبة من الروس المتحفزين جدا.

الوقود القطري وقاطرة الفوضى

كانت سياسات وتصرفات الدولة الخليجية الصغيرة مصدر إزعاج كبير للجيران الخليجيين الكبار، السعودية والإمارات. علاوة على كونها مارست أدوارا ووظائف تمويلية وسياسية محل غموض وجدل في بلدان وصل إليها مد الفوضى المنظمة أو الثورات الملونة.

استخدمت قطر قواها المتاحة وغير الهينة، سياسيا وماليا وإعلاميا، ودفعت بها في الميادين وراء حركات الاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة. بداية من "ثورة الياسمين" في تونس. ومرورا بمصر فليبيا ثم اليمن ووصولا إلى سوريا.
تصدت قطر، العائلة الحاكمة فيها بالأحرى، بأموالها التي تمثل ثروات هائلة، لقيادة وتوجيه حركات احتجاجية متتالية لتغيير الأنظمة والحكومات في البلدان والعواصم العربية في قارتي آسيا وأفريقيا.

استقطبت القيادة القطرية ولاء جماعات وفروع وتشكيلات الإخوان المسلمين في المنطقة العربية ودعمت مساعيهم إلى إطاحة السلطات والحكومات وأخذ مكانها في أكثر من عاصمة وبلد عربي. كل ذلك بالتنسيق والتكامل والتقاطع مع الرعاية والتوجيه الغربي المباشر والتبني السياسي الرسمي وفي المحافل الدولية وعبر المنظمات العالمية لتحركات ومظاهر احتجاجات مسبوقة التدريب والإعداد كما اتضح بعد وقت قصير من تسريب كتيبات ومحاضرات وأفلام دورات تدريبية في صربيا وأمريكا لإعداد ناشطين وصناعة حركات تغيير ملونة عربيا.

بدأت العواصم الخليجية الكبرى تستشعر، قريبا منها، خطرا حقيقيا يكاد يطاولها ويطال عواصمها الوطنية نفسها، من طريق الجار الخليجي الصغير الذي لعب ويلعب أدوارا أكبر بكثير من المتوقع أو مما سيسمح به الجيران.

حدث الفارق بداية من التحول الدراماتيكي الذي شهدته الأحداث في مصر وطي صفحة حكم ورئاسة الإخوان ومرسي (الذي كان بدأ يستقطب تيارات سلفية وإخوانية متشددة تقاتل في سوريا)، ومن ثم طي صفحة الإخوان كجماعة وحزب وحظرها سياسيا. وما تبع ذلك من تفارق وتفاصل واضحين بين جناحين خليجيين حيال مصر والإخوان خصوصا: قطر في جهة وتدعم الإخوان وتتبنى رموزهم وتوفر لهم منبرا إعلاميا وفضائيا قويا كالجزيرة. وفي الجهة المعاكسة السعودية والإمارات وهما تبنيا علنا سياسة واضحة وصريحة تدعم الحالة السياسية في مصر بعد 30 يونيو 2013 وصعود نجم القائد العسكري المصري اللواء / ثم المشير عبدالفتاح السيسي.

صنعاء.. امتحان طارئ

وفي اليمن، العمق الخليجي، لم يتوقف المال القطري ولا الدعم الموجه لطرف سياسي بعينه منذ اليوم الأول لأحداث الأزمة السياسية التي اندلعت مطلع العام 2011م، وبصدد هدم وإعادة بناء خارطة القوى السياسية وتركيبة السلطة والنفوذ في اليمن، بالتناغم والتقاطع مع سياسات قادة وقصر الدوحة الأميري إزاء الجوار الإقليمي والخارطة العربية.
لبعض الوقت، بل لوقت أكثر مما يجب، سكتت الرياض طويلا وبصورة تدعو للغرابة أحيانا، حيال التصرفات السياسية والتحركات الصاخبة والمندفعة التي تمارسها وتقودها قيادة الدوحة، وتغذيتها المتزايدة لسلطة وسطوة ونفوذ الإخوان في أكثر من مكان. ولكن وبوجه الخصوص والأهمية والخطورة في آن واحد، على الجانب الآخر من الحدود الجنوبية للمملكة، في اليمن. الذي لطالما اعتبرته الرياض عمقا استراتيجيا وجناحا آخر مهما للمملكة وللدولة السعودية.

وهكذا فرضت الأحداث والمقاربات على الأرض نفسها في طاولة السياسيين وصناع القرار في أبو ظبي والرياض. الإجراءات الأخيرة بسحب السفراء من الدوحة بقدر ما مثلت مفاجأة للبعض إلا أنها تجيء في سياق تراتبي وطبيعي للأحداث ولربما لن يتوقف الأمر عند هذا القرار لوحده.

وبالنظر إلى وقوع اليمن في مقطع ومخنق عويص على طريق التطورات المتسارعة. سيكون من واجب السلطات في صنعاء ان تتوقف كثيرا ومليا أمام قراءة متأنية وعميقة للحسابات كلها وأن تعيد حسابات التموضع تبعا للنتائج الماثلة. أو على الأقل أن تكبح جماح ارتمائها العلني في أحضان الممول والراعي القطري الأميري(!!)

* صحيفة "المنتصف" الأسبوعية