تحليل: "حزب الله تحول إلى القوة الأساسية المضادة للثورة في لبنان"
في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، يرى العديد من اللبنانيين والمحللين أن مواقف وخطابات حزب الله باتت تشكل عائقا للتغييرات الجذرية التي يمكن أن يحتاجها هذا البلد. ويأتي هذا، في وقت ازداد فيه استياء المواطنين إزاء هذا الحزب بشكل كبير منذ بداية شهر أغسطس/آب الحالي.
يمر حزب الله بمرحلة صعبة في لبنان. فمنذ بداية شهر أغسطس/آب، أصبح هذا الحزب الشيعي، الذي يحظى بمساندة من إيران، محل انتقادات لاذعة من قبل المواطنين اللبنانيين الذين يشعرون بنوع من الاستياء إزاءه خاصة في ظل التدهور الاقتصادي الذي تعيشه بلاد الأرز. ووصل هذا الاستياء إلى درجة أنه وجد نفسه معزولا ويعاني من توترات ومشاكل مع الفاعلين السياسيين الذين يمثلون ثلاث مجموعات دينية رئيسية في لبنان، وهي الطائفة السنة والدرزية والمسيحية.
منذ بداية أغسطس/آب، عرفت منطقة خلدة التي تقع في جنوب بيروت اضطرابات أمنية بعد أن تمت مهاجمة موكب جنائزي كان يقل علي شبلي، وهو عنصر من حزب الله قتل في كمين نصبه أفراد من القبائل السنية بتهمة أنه كان وراء مقتل شاب سني في نفس المنطقة قبل عام. وأسفرت مواجهات عن مقتل خمسة أشخاص بينهم ثلاثة من حزب الله.
حزب في قلب التوترات
وبعد أيام على هذا الحادث، أي في 6 أغسطس/آب تحديدا، اندلعت مواجهات أخرى بين أنصار حزب الله وسكان دروز في قرية الشوايا جنوب شرق العاصمة بيروت. إذ قام سكان هذه البلدة باعتراض شاحنة كانت تقل قذائف صاروخية استخدمت لضرب إسرائيل فيما عبروا عن رفضهم واستياءهم لما يقوم به حزب الله الذي أصبح يعرض منطقتهم إلى الخطر والانتقام من طرف إسرائيل.
وردا على هذا الحادث، قام أنصار من حزب الله بطرد مزارعين من الطائفة الدرزية من المدن الواقعة جنوبي لبنان حيث كانوا يبيعون فيها فاكهة التين. لكن ممثلي الطائفة الدرزية في لبنان وكوادر سياسية في حزب الله توصلوا إلى حل سلمي وتمكنوا من تهدئة الأوضاع في نهاية المطاف.
ورغم الوضع المتوتر، انتقد حسن نصر الله في خطاب متلفز ألقاه في 8 أغسطس/آب القاضي طارق بيطار المكلف بالتحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 أغسطس/آب 2020. وقال في هذا الشأن "التحقيق مسيس. إما أن يشتغل (هو يقصد القاضي بيطار) بشكل شفاف وواضح وإما تعين المحكمة اللبنانية قاضيا جديدا". لكن تصريحات نصر الله أثارت استياء وغضب عائلات الضحايا والأوساط القضائية التي انتقدت الطبقة السياسية اللبنانية بحجة أنها تريد عرقلة التحقيق والتدخل في صلاحيات القضاء في وقت ازدادت التهم والإشاعات حول تورط حزب الله في عملية تخزين أطنان من نترات الأمونيوم التي كانت وراء اندلاع الانفجار بمرفأ بيروت.
هذا، ووفق وسائل إعلامية لبنانية، فهناك العديد من الشخصيات التي لديها علاقة مع حزب الله قد يلاحقها القضاء، من بينها مسؤول الأمن العام اللبناني عباس إبراهيم، الذي يعرف بقرابته للحزب الشيعي ولوزراء سابقين أمثال علي حسن خليل ويوسف فنيانوس المعاقبين من قبل الإدارة الأمريكية بسبب قربهما من حزب الله.
وفي نفس الخطاب الذي ألقاه، هدد حسن نصر الله إسرائيل ووعدها بالرد على أية ضربة جوية تنفذها ضد لبنان بشكل "ملائم ومتناسب".
من جهته، صرح البطريرك الماروني بشارة بطرس الذي يمثل أعلى هيئة دينية مسيحية في لبنان، "اللبنانيون اليوم يملكون أولويات أخرى تتعلق بمعيشتهم ومشاكلهم اليومية ولا يريدون الدخول في حرب مع إسرائيل"، مذكرا أن بلاده وقعت على "اتفاق هدنة رسمي مع إسرائيل منذ العام 1949"، داعيا الجيش اللبناني إلى "منع حزب الله من إطلاق صواريخ تجاه إسرائيل من جنوب لبنان"، فاتحا بذلك حوارا حساسا في البلاد حول أسلحة حزب الله وكيف خول نفسه لكي أن يقرر الحرب والسلم مع جاره الإسرائيلي".
وأثارت الانتقادات التي وجهها البطريرك الماروني لحسن نصر الله غضب أنصار حزب الله الذين اتهموه بدورهم على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الخيانة". وأمام هذا التصعيد، أعلنت شخصيات سياسية عديدة، على غرار الرئيس ميشال عون مساندتها للبطريرك تحت شعار "لا تسكتوا" وهو شعار برز كثيرا في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة على موقع توتير.
وفي خطوة لتهدئة الأوضاع، قال نصر الله الأربعاء الماضي إن "توجيه الانتقادات أمر مشروع لكن لا للشتم والسب"، مضيفا أن "مثل هذه التصرفات لا تزيد سوى الحقد والعداء" في نفوس الناس.
"حزب الله في وضع حرج"
ويرى مختصون أن التوترات التي نشبت بسبب حزب الله تعكس نوعا من الاستياء لدى اللبنانيين الذين يعتقدون بأن سلاح الحزب يشكل عقبة أمام التغيير الذي يطالبون به منذ 2019، إضافة إلى انتقادهم للطبقة السياسية التي أودت بالبلاد إلى الدمار.
ويقول كريم إيميل بيطار، مدير قسم العلوم السياسية في جامعة "سان جوزيف" ببيروت ومدير البحوث في المعهد الدولي للبحوث الاستراتيجية لفرانس24 "بعدما كان ينظر إلى حزب الله على أساس أنه حزب لا يساند الإدارة والطبقة السياسية، تحول اليوم إلى منقذ لهذه الطبقة السياسية التي تتعرض إلى انتقادات من قبل المتظاهرين والمجتمع المدني. أكثر من ذلك، حزب الله تحول اليوم إلى قوة أساسية مناهضة للثورة في لبنان".
وتابع "بعدما تمكن من بسط سيطرته خلال السنوات الأخيرة على مؤسسات الدولة اللبنانية، أصبح اليوم يمر بأوضاع حرجة. والتشنج الذي يعاني منه ربما ناتج عن المعاناة الاقتصادية التي تمس وتهدد جزءا من قاعدته الشعبية وعن ضعف شركائه السياسيين".
وأضاف بيطار أن "المظاهرات الشعبية وحركة ‘أمل’ التي يتزعمها الشيعي نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني أضعفت كثيرا معسكر ميشال عون"، منوها في الوقت نفسه "أن محاولات حسن نصر الله بالتشكيك في نزاهة التحقيق حول انفجار مرفأ بيروت الذي يقوم به القاضي طارق بيطار، لم تساعده على تحسين وتلميع صورته".
وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان، أصبح خطاب حسن نصر الله لا يلقى تجاوبا من قبل اللبنانيين. فيما زادت الفضيحة التي تسبب فيها النائب السابق وأحد قياديي الحزب نوار الساحلي بصرفه أموالا باهظة في حفل زفاف ابنته من الإضرار بصورة التنظيم الشيعي. وأمام الانتقادات التي طالته، أعلن هذا النائب تجميد نشاطه في الحزب.
وقال بيطار أيضا "بعض علامات التعالي والعجرفة ونشوة الحكم التي نراها يمكن أن تقود حزب الله إلى ارتكاب أخطاء في حين يعاني اللبنانيون من مشاكل أخرى بعيدة كل البعد عن الخطابات وعن الإيديولوجية التي يسوقها الحزب". وأضاف "اليوم يفكرون (اللبنانيون) في إيجاد الحلول للمشاكل التي يعانون منها، مثل إيجاد المواد الاستهلاكية والوقود وتوفير الكهرباء. وفي حال استمر الوضع على حاله، فهناك احتمال أن ترتفع أصواتا مناهضة للحزب من الداخل وعلى مستوى قاعدته الشعبية التي تصوت عليه".
مارك ضو/ طاهر هاني