عُقلاء العالم لا يدعمون «المَجَانين» في اليمن: «اللاحـَـرب.. الحـل الصَّحيح»

اليمن، البلدُ العربي الوحيد الذي نجا، إلى حدٍ كبير، مِنْ حرائق مَوجة الرَّبيع والثورات المُلوَّنة الموجَّهة، يُوشك أنْ ينجرف إلى إحداها. لبعض الوقت، تجمَّعت مؤشرات استثمرها أولئك الذين يودون دفع القطار خارج السكة. وأكثروا من الاستقواء بما اعتبروها مواقفَ وإشاراتٍ مِنْ عواصمَ عربية وغربيَّة مهمّة ومؤثّرة يمنياً بتأييدها لخيار القوة والحرب حسماً للتوتُّر والأزمة مع الحوثيين، على خلفية الزيادات السِّعرية في المشتقات ومطالب تغيير الحكومة وتنفيذ مخرجات الحوار.

مثقفون، بعضهم (كبار) وإعلاميون وسياسيون، انخرطوا في مهمّة مُشابهة، إلى التنظير لحرب مدعومة دولياً!

وصعد سؤالٌ كبيرٌ إلى الواجهة: هل يُراد لليمن، بالفعل، الذهاب إلى مجهول؛ يستدعي أمثلة، ما في طرابلس الغرب وليبيا عامة، وسوريا والعراق؟ وهل هذا خيار منطقي من أي نوع لتؤيده عواصم كبرى تعاني من تَبِعات ومخاطر مُحدقة في الحالات المُشار إليها؟!

مدخل جانبي

الأربعاء، قالت الرئاسة الفرنسية، في بيان لها: إنَّ «الرئيس الفرنسي اتفق مع الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، على موعد المؤتمر الذي أطلق عليه اسم «المؤتمر الدولي للسَّلام والأمن في العراق».

وأشار البيان الرئاسي إلى أن «المؤتمر سيجمع العديد من الشركاء الدوليين والإقليميين».

العالم ليس بهذا الجنون

إحدى ركائز الحلف الدولي الآخذ قُدماً في التشُّكل لمواجهة "الدولة الإسلامية" أو "داعش" في العراق، خصوصاً، وفي سوريا، هي الحشد باتجاه مؤتمر توحيدي للسلام، وطيّ الماضي بين الطوائف والمكونات العراقية المختلفة.

في اليمن، بالأحرى، سيكون من الحُمقِ والبلادةِ أن تحشد دول المنطقة والمجتمع الدولي لأجل حرب أو تشجيعاً لحرب في اليمن!

من يتصور هذا فهو؛ مخبولٌ، أو مكابرٌ، أو "مثقف كبير" (..)

من البديهيات؛ أن العالم الآن، وضمنه دول المنطقة كافة، بما فيها إيران والسعودية، بصدد تحالف دولي واحد، لمواجهة داعش، التي فجَّرت مخاوفَ عالمية، وأوجبت تحرُّكاً عالياً ومستعجلاً. وهؤلاء في غنى عن تفجير جبهات حرب أخرى وتفخيخ المنطقة بؤر توتُّر وتطرُّف جديدة تصعب مهمّة الحلف، وتهدد بتوسيع رقعة الانتشار الأفقي لداعش والقاعدة وأنصار الشريعة والجماعات الإرهابية.

العالمُ لن يفرِّط أو يهدر فرصة التسوية السلمية التي تحققت في اليمن. إنه ليس بهذا الجنون على كل حال، ورغم كل شيء(..) وهو لهذا السبب لا يمكنه أن يدعم المجانين.

وأيّاً تكن الملاحظات على المستوى التنفيذي. لكن الأهم هو أن مكاسبَ منع الانفجار في اليمن في الجانب الأمني والعسكري والحرب الأهلية، هي مكاسب حقيقية وقيّمة للمنطقة والعالم. ومن الجنون تصوُّر أن العالم سوف يدعم أو يشجِّع أو حتى يقبل صامتاً حرباً أهلية في اليمن - كما تسوِّق وتروِّج وتود أطراف يمنية هي جزء من الصراع ولها حساباتها وثاراتها التي تود أن تأخذها بغطاء حُر مدعومة ومبررة خارجياً.

يعرف الجميع أن أمن واستقرار اليمن مصلحة للجميع، وهم لن يتورطوا في دعم وتشجيع المتهورين والمغامرين والمحرّضين المحليين إلى إشعال فتنة وحرب أهلية ومجتمعية لن تتوقف نيرانها عند حدود هشيم يمني يتصل بالضرورة وبالطبيعة بهشيم منطقة بأسرها.

جملة موقفية أمريكية سعودية مطمئنة

جميع المواقف والبيانات والتصريحات المتجمعة حول الوضع في اليمن، والتطورات الأخيرة (وإذا استثنينا، بالطبع، ما تُورده وتكيّفه وسائل الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية) جميعها كانت وتظل تؤكد على "حلول سلمية وآمنة" لمشاكل قائمة وللتوترات.

الليلة الفائتة، مساء الأربعاء، قال بيان صحفي عن البيت الأبيض: إنَّ الرئيس أوباما أجرى اتصالاً هاتفياً مع جلالة الملك عبدالله بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية اليوم (الأربعاء)، ناقشا فيه الأوضاع المُشتركة بشأن التهديد الذي تشكله الدولة الإسلامية في العراق والشام.

كما ناقش الرئيس أوباما والملك عبد الله، التطورات في اليمن.. وأكدا، مجدداً، التزامهما المشترك لدعم الرئيس هادي والحكومة اليمنية في تحقيق حل مستدام لحدة التوترات الحالية مع حركة الحوثي، وذلك في إطار العملية الانتقالية المستندة على مبادرة مجلس التعاون الخليجي.

الجملة الموقفية، التي صاغها البيان في الشأن المتعلق باليمن، انتقت بعناية الكلمات، لتشير إلى معناها المباشر وغير القابل للتأويلات: "تحقيق حل مستدام لحدة التوترات الحالية مع حركة الحوثي، وذلك في إطار العملية الانتقالية المستندة على مبادرة مجلس التعاون الخليجي". التأكيد الأمريكي السعودي على حل سلمي ومستدام، يتضمن حثاً صريحاً على نبذ العنف والخيارات التي من شأنها أن تزيد التوترات وتخرج الأوضاع عن السيطرة.

يأتي هذا بعد يومين على أحداث دامية حصدت العشرات من المتظاهرين بين شهيد ومصاب قرب مقر مجلس الوزراء اليمني بصنعاء. وعقب مواجهات مسلحة (محدودة) جنوب العاصمة بين الحوثيين وقوات نظامية. تصاعدت على الإثر حدة التوترات لتصل أقصى درجة منذ تفجُّر الأزمة القائمة. وخيَّمت غيومٌ داكنةٌ على مشهد يمني بات مهدداً بالانفجار أكثر من أي وقت مضى. وما من شك فإن العواصم العربية والعالمية رصدت التطورات المؤسفة والخطيرة، وجاء البيان عن البيت الأبيض مشدداً على الحل والتسوية السياسية، سيما والبلدان هما أبرز رعاة التسوية والانتقال السياسي السلمي في اليمن.

دعم السلطات الرسمية لا يتوجه إلى الحرب، بل إلى الدولة والمؤسسات.

أخبار جيدة

الشاهد، أن العالم ــ الذي يحشد ويحتشد في حلف واحد في الأثناء لتوحيد وجمع الفرقاء العراقيين والطوائف والمكونات ودعم وتبني مؤتمر سلام داخلي، ضمن خطة الحلف لمواجهة داعش ــ لن يقبل أو يدعم أو يشجِّع، في الوقت نفسه، تفجّر أو تفجير حرب أهلية ومجتمعية في اليمن؛ المتعافي كثيراً من الطوائف والفرق والقوميات المتناحرة. ولا مقبولية، أبداً، لأولئك الذين يجنِّدون أنفسهم وأدواتهم باتجاه توليد طائفية من لاطائفية اليمن.

جميع المواقف والتعليقات، حتى الآن، تتحدث عن وتحث على "حلول سلمية ضمن اتفاق التسوية، ووفقاً لمرجعيتها ووثيقتها". لا أحد أعلن، صراحة أو تلميحاً، دعمه لحرب في اليمن. من السخف أصلاً تصوُّر هذا أو توقعه.

خيار القوة والحرب؛ كعلاج بإزاء مشكلة ومعضلة سياسية قائمة في اليمن الآن؛ هو الجواب الأكثر غباءً وكارثية على سؤال الأزمة، التي تتعامل مع شأنٍ سياسي واقتصادي وإجرائي، لا مع مشكلة طائفية أو قومية أو دينية.

بالطبع، هناك من يجهد لتوريط اليمن والآخرين في إشعال بئر نفط كبيرة في اليمن يمكن أن تمتد نيرانها إلى أبعد بكثير من اليمن. وهؤلاء هم، للأسف، يمنيون وفي المُشكل اليمني!

لكن الأخبار الجيدة، ورغماً عن كل السوء المُعتمل، أنَّ توصيات دولية على مستوى الدول والحكومات تحثُّ على معالجات وحلول آمنة و"سلمية" لا تكلف حروباً وتهديد السلم والاستقرار.

اللاحرب.. الحل

سواءً؛ كقراءة موضوعية وتحليلية واقعية، أو كأمنية مخلصة، من المُهم والواجب دعم وتكريس خطاب اللاحرب، واعتماد اللاحرب حلاً وحيداً. وفي المقابل إدانة ورفض وتجريم كل دعوة إلى فتنة وعنف وحرب أهلية.

لم تعقم أرحام العقول بعد في اليمن عن إنجاب حلول ناجعة ومناسبة لأزمة سياسية هي الأقل حدة والأخف تعقيداً من سابقاتها، وإن هوَّل وهرج البعض بوصفها "أمّ الأزمات". ليست أمها ولا أختها ولا حتى ابنتها البكر!

اليمن واليمنية؛ مظلة كانت وتبقى ضمانة كبرى لليمنيين، وهوية أكثر تجانُساً وأقل شروخاً وتكسُّرات وفجوات. باستثناء شروخ هي في الواقع مُفتعلة أكثر منها طبيعية.