استفزاز خارج الأرض.. تفاصيل "الضربة الروسية" وتأثيرها بالفضاء

اضطر طاقم محطة الفضاء الدولية، وهم 4 أميركيين، وروسي وألماني، الاثنين، إلى إخلائها، وصعود مركبتين فضائيتين، بعد تحذيرهم من تناثر حطام في الفضاء قد يهدد حياتهم.

فر رواد الفضاء الذين يعملون تحت قيادة الكولونيل الروسي، أنطون شكابليروف، دون أن يعلموا في ذلك الوقت مصدر هذا الخطر، ثم تبين لاحقا أنه حطام قمر للتجسس، يعود إلى الحقبة السوفيتية (يسمى كوزموس)، وأن روسيا استخدمته في اختبار صاروخ مضاد للأقمار الصناعية.

وتسبب هذا الاختبار في انتشار آلاف قطع الحطام في المدار المحيط بالأرض، وهدد حياة رواد الفضاء، مما أثار غضب الولايات المتحدة ووصفه وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بأنه تصرف "متهور".

وأوضح المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، أن الاختبار تسبب بانتشار أكثر من 15 ألف قطعة من حطام القمر الصناعي، ومئات الآلاف من القطع الأصغر، التي تهدد مصالح دول العالم.

وشدد برايس على أن "هذا الاختبار سيرفع من درجة الخطورة التي تهدد رواد الفضاء على محطة الفضاء الدولية، إضافة إلى النشاطات الأخرى المتعلقة بسفر البشر إلى الفضاء". وقال إنه "يوضح أن مزاعم روسيا بمعارضة تسليح الفضاء هي مزاعم مخادعة".

ومن جانبها، أقرت روسيا، الثلاثاء، بأنها اختبرت صاروخا استهدف أحد أقدم أقمارها في مدار الأرض، مؤكدة بذلك اتهامات واشنطن لها، ومشددة في الوقت ذاته على أنها لم تعرض محطة الفضاء الدولية لأي خطر.

وقال الجيش الروسي في بيان "في 15 نوفمبر أجرت وزارة الدفاع الروسية بنجاح تجربة دمر بنتيجتها الجسم الفضائي تسيلينا-د الموضوع في المدار منذ 1982 وهو غير نشط".

وقال وزير الخارجية، سيرغي لافروف، إن ادعاء الولايات المتحدة "أن روسيا تشكل مخاطر على الأنشطة من أجل الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي هو على أقل تقدير نفاق"، على حد تعبيره.

مخاطر جدية

وتقول صحيفة واشنطن بوست إنها المرة الأولى التي تظهر فيها روسيا قدرتها على ضرب قمر صناعي باستخدام صاروخ يتم إطلاقه من الأرض.

بينما مجلة إيكونوميست أن التجربة "تتماشى مع نمط من الأعمال الاستفزازية لروسيا خلال الأسابيع الماضية"، على غرار حشد قواتها على الحدود الأوكرانية.

ونقلت المجلة عن خبراء قولهم إن الإجراء الأخير أدى إلى "زيادة المخاطر التي يشكلها الحطام الفضائي على العدد المتزايد بسرعة من الأقمار الصناعية في المدارات الأرضية المنخفضة المعرضة للخطر".

وقال روبرت غولدستون، أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة برينستون، في تصريح لموقع الحرة إن الأنشطة الصاروخية ضد الاقمار الصناعية "تهدد الاستقرار، لأن جميع الأطراف لديها أجسام في الفضاء".

وأضاف أن هذه الأطراف تشعر بالقلق، لأن لديها أقمار في الفضاء ولا تعرف بالضبط ما يجري حولها عندما تحدث هذه التجارب.

وفي تصريح لمجلة إيكونوميست، قال بيل جيرستنماير، الذي كان رئيسا لبرنامج رحلات الفضاء البشرية في وكالة "ناسا"، ويعمل الآن مديرا تنفيذيا في شركة "سبيس أكس"، التي تنقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية: "لقد كانت (هذه التجارب) تمثل عدوانا لفترة طويلة من الزمن.. يبدو أن لدينا مثال آخر الآن. هذا ليس ما نحتاج إلى القيام به".

ووصف مدير "ناسا" بيل نيلسون التجربة بأنها "شائنة" و "غير معقولة".وقال إن الروس "يهددون ليس فقط رواد الفضاء لدينا بعد تعاوننا في الفضاء منذ عام 1975، ولكنهم يهددون روادهم"، مشيرا إلى أن رواد الفضاء الأميركيين والروس على حد سواء اضطروا إلى إخلاء المحطة، واللجوء إلى مركبة سويوز الروسية.

ولم يستبعد عدم علم مدير وكالة الفضاء الروسية بأي شيء عما حدث، وقال: "ربما لم يعرفوا شيئا عن هذا. وربما يكونون مرعوبين مثلنا"، مشيرا إلى أن الجيش الروسي ربما نفذ العملية دون علم الوكالة.

ليست المرة الأولى

ويشير تقريرا واشنطن بوست وإيكونوميست إلى حوادث مماثلة من هذا النوع قامت بها الصين وروسيا والهند.

وسبق أن اتهمت الولايات المتحدة روسيا باختبار سلاح فضائي مضاد للأقمار الصناعية في يوليو 2020، بعد أن رصدت قيادة الفضاء الأميركية قمرا روسيا، يسمى "كوزموس 2543"، أثناء تتبعه قمرا صناعيا أميركيا للاستطلاع.

وأجرت الصين اختبارا للأسلحة المضادة للأقمار الصناعية باستخدام مقذوف تم إطلاقه من الأرض، في عام 2007، وقالت إيكونوميست إنه مثل خطورة مشابهة للتجربة الروسية الأخيرة، ونتج عنه نحو 3 آلاف قطعة حطام.

وفي 2008، استهدفت الولايات المتحدة قمر صناعي صينيل للتجسس كان لا يعمل، لكن كان يتوقع سقوطه، وفق واشنطن بوست.

وأجرت الهند اختبارا مضادا للأقمار الصناعية في عام 2019، لكن لم ينتج عنه حطام خطير، ولم يشكل تهديدا، وفق المجلة.

وقال بريان ويدن، مدير تخطيط البرامج في مؤسسة العالم الآمن، إن موسكو أجرت أنواعا أخرى من الاختبارات المضادة للأقمار الصناعية في الماضي، التي تضمنت مهاجمة قمر صناعي آخر.

وخلال السنوات الماضية، أجرت روسيا مناورات قريبة مع أقمار صناعية أخرى، لكن تلك الحوادث لم تؤد إلى حدوث حطام.

وأوضح ويدن: "تاريخيا، كانت روسيا مهتمة بتطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية تكون قادرة على انتزاع القدرات الفضائية الأميركية في حالة نشوب صراع".

وأشار النائب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، مايك روغرز، وهو أيضا عضو لجنة القوات المسلحة، إلى أن الاختبار الأخير لروسيا أظهر "سبب الحاجة إلى قيادة الفضاء والقوة الفضائية الأميركية". وقال: "لقد أصبح الفضاء بالفعل مجالا للقتال".

وتقول إيكونوميست إن التجارب الأخيرة لروسيا والصين والهند جددت الدعوات لحظر مثل هذه الاختبارات. 

وتشير إلى أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تطلب من الدول التشاور مع بعضها البعض قبل القيام بأي شيء قد يؤدي إلى "تدخل ضار محتمل" في أنشطة الدول الأخرى، وكذلك اتفاقية المسؤولية الفضائية لعام 1972، التي تؤكد أيضا على الضرر الناجم عن الحطام. 

ويقول موقع الأمم المتحدة إن اتفاقية 1967 تؤكد على ضرورة استغلال الفضاء للأغراض السلمية فقط، وتحدد "المبادئ الأساسية المتعلقة باستخدام الفضاء الخارجي في تلك الأغراض.

وتشمل هذه المبادئ أن يكون استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي لتحقيق فائدة ومصالح جميع البلدان، وأنه لا يجوز التملك القومي للقمر والأجرام السماوية الأخرى بدعوى السيادة".

وتحظر المعاهدة، بوجه خاص، وضع أسلحة نووية، أو أي نوع آخر من أسلحة الدمار الشامل في الفضاء الخارجي، ووضع مثل هذه الأسلحة على أي أجرام سماوية.

وأوصى فريق خبراء تابع للأمم المتحدة الدول "بتبادل شتى أنواع المعلومات المتعلقة بالسياسات والأنشطة الفضائية للدول، والإخطارات الرامية إلى الحد من المخاطر، وزيارات الخبراء للمرافق الفضائية الوطنية".

لكن مجلة إيكونوميست تقول إن المفاوضات بشأن الحظر لم تكتسب زخما بعد، مشيرة إلى أن هذا الاستفزاز سيكون له بالتأكيد تداعيات دولية، ولا يمكن لأميركا وكندا ووكالة الفضاء الأوروبية واليابان، شركاء روسيا في محطة الفضاء الدولية، أن تفشل في الاستجابة". 

وتقول إن أحدا لايدري كيف كان شعور رواد المحطة عندم تنبهوا للخطر المحدق بهم من روسيا تجاه المحطة التي يقودها رائد روسي.