حشد عسكري كبير و"حملات تضليل".. هل تقدم روسيا على غزو أوكرانيا؟

تثير التوترات على الحدود الروسية الأوكرانية مخاوف كييف والغرب من غزو روسي محتمل لأوكرانيا، فيما تنفي موسكو أي نية للقيام بعملية عسكرية وتتهم الغرب بـ"التهويل"، لكن حجم الحشد على حدود الجمهورية السوفييتة السابقة كبير، مما يعزز التكهنات بأن حربا تلوح في الأفق.

وفي حين تتهم كييف وحلفاؤها موسكو بحشد قوات ومدرعات، تتهم روسيا الغرب بمضاعفة "الاستفزازات" من خلال إجراء مناورات عسكرية في البحر الأسود، في منطقة تعتبر موسكو أنها تدور في فلكها. ويقول الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إن الأوكرانيين وداعميهم من أميركا وأوروبا الغربية هم من يحرضون على الحرب.

ووسط هذا القلق المتزايد، عقد الرئيس الأميركي، جو بايدن، عبر الفيديو، قمة الثلاثاء مع بوتين، أكد الأول خلالها من جديد "دعم الولايات المتحدة لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها".

وقال البيت الأبيض إن بايدن عبر لنظيره الروسي عن "القلق العميق" لدى الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين جراء الحشد العسكري قرب أوكرانيا، ولوح بعقوبات اقتصادية "شديدة" و"تدابير أخرى" في حال قررت موسكو اجتياح البلاد.

ودائما ما تتهم أوكرانيا والغرب موسكو بإرسال قوات وأسلحة عبر الحدود لدعم الانفصاليين الموالين لروسيا، الذين سيطروا على منطقتين شرقيتين في عام 2014، بعد وقت قصير من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

ومنذ ذلك الحين، قتل أكثر من 14 ألف شخص في المنطقة، ولا تزال التسوية السياسية بعيدة المنال رغم إبرام اتفاق سلام، وزادت الخروق لهذا الاتفاق بشكل خاص هذا العام.

وفي أواخر أكتوبر، بدأ تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر تحركا لقوات روسية ودبابات وصواريخ نحو الحدود الأوكرانية. وقال مسؤولون أوكرانيون في ذلك الوقت إن روسيا أرسلت قرابة 115 ألف جندي إلى المنطقة.

هل تغزو روسيا أوكرانيا؟

ورغم أن مسألة إرسال روسيا لقوات على حدود الجمهورية السوفييتة السابقة ليست جديدة، إلا أن حجمها هذه المرة كان ما أثار المخاوف بشكل خاص.

وتظهر صور حديثة من أقمار اصطناعية "تراكما في المعدات" على الحدود، بما في ذلك دبابات ومدفعية.

ويقول مسؤولو الاستخبارات الأميركية إن موسكو وضعت خططا لشن هجوم عسكري يشارك فيه نحو 175 ألف جندي، يبدأ في وقت مبكر من العام المقبل.

ولا تعرف وكالات الاستخبارات الأميركية ما إذا كانت موسكو ستمضي بالفعل قدما في خطة الغزو، لكن مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي أي إيه) ويليام بيرنز قال، الاثنين، إن طريقة الحشد تجعل روسيا "قادرة على التصرف بطريقة شاملة للغاية".

ورغم نفي روسيا تحضيرها لغزو، واصفة هذه التقارير بأنها "هستيريا"، إلا أن بعض العمليات العسكرية الروسية الأخرى تشير إلى هذا الاحتمال، ففي عام 2008، قصفت روسيا أهدافا في جورجيا، بعدما أرسل رئيسها آنذاك ميخائيل ساكاشفيلي قوات لمحاربة الانفصاليين.

وفي نهاية الشهر الماضي، قارن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي الوضع الحالي في أوكرانيا بالوضع في جورجيا عام 2008، ودعا الرئيس الأوكراني إلى عدم ارتكاب الخطأ نفسه الذي ارتكبه ساكاشفيلي، مذكرا إياه بأن "ذلك كلفه غاليا".

ويقول مسؤولون أميركيون إن الحشد الروسي هذه المرة يختلف عن حشد سابق للقوات الروسية في الربيع الماضي، عندما أرسلت موسكو تعزيزات إلى هناك قبل أن تسحبها بعد وقت قصير من إعلان بايدن وبوتين عقد قمة بينهما.

وتقول وول ستريت جورنال إنه عند اكتمال الحشد الجديد، سيكون انتشار روسيا في المنطقة ضعف الانتشار الذي حدث في الربيع. 

ومما عزز التكهنات أيضا أنها شرعت في تعبئة سريعة لجنود الاحتياط، وفق الصحيفة.

وبالإضافة إلى ذلك، أبلغ مسؤول أميركي كبير واشنطن بوست، متحدثا شريطة عدم الكشف عن هويته، أن حملات التضليل الإعلامي الروسية عبر الإنترنت زادت في الفترة الأخيرة، بالطريقة ذاتها التي سبقت الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014.

لكن المحللة المختصة بالشأن الروسي، آنا بورشفسكايا، قالت لموقع الحرة إنها لا ترى أن الحشد الجديد لا يعني بالضرورة أن موسكو تمهد لعملية غزو.

وقال ألكسندر بونوف من مركز كارنيغي في موسكو لوكالة فرانس برس إنه "لا يستطيع تخيل غزو دون سبب"، متسائلا عما ستكسبه روسيا من ذلك.

وترى بورشفسكايا أنه "لو أتيحت لبوتين الفرصة انتزاع قطعة أوكرانيا سيفعل ذلك، لكن حربا كاملة بين البلدين سيكون أمرا متطرفا وستسبب مشاكل لروسيا".

أوكرانيا "حالة خاصة" لروسيا

ويقول خبراء إن بوتين لم يقبل أبدا بتفكك الاتحاد السوفيتي، كما أن أوكرانيا تحتل مكانة خاصة في تاريخ روسيا.

وفي مقال نشر في يوليو الماضي، وصف بوتين أوكرانيا بأنها معقل تاريخي للشعب السلافي وحذر الغرب من محاولة قلبها ضد روسيا.

وكتب في المقال: "لن نسمح أبدا باستخدام أراضينا التاريخية والأشخاص القريبين منا الذين يعيشون فيها ضد روسيا.. وللذين سيشرعون في محاولة مماثلة، أقول لهم إنهم بهذه الطريقة سيدمرون بلادهم".

وتقول بورشفسكايا إن أوكرانيا بالنسبة لروسيا "حالة خاصة، والرئيس الروسي يؤمن بأنها جزء من الأراضي الروسية".

وتضيف: "بوتين لا يرى أوكرانيا دولة ذات سيادة، ولديه رغبة دائما في زعزعة استقرارها. عندما لا يكون الروس سعداء يرسلون قواتهم إلى الحدود. في أي وقت يريد بوتين أن يزعزع استقرار أوكرانيا تكون فقط مسألة وقت حتى يفعل ذلك ثانية".

لكنها لا تتوقع حدوث عملية غزو، مشيرة إلى أن ما يريده بوتين هو "التفاوض حول النظام العالمي، فهو غير سعيد بالهيمنة الأميركية في الشؤون العالمية ويريد إجبار الغرب على الحوار بإرسال الجنود عبر الحدود".

الانضمام للناتو

وتشير المحللة إلى مخاوف روسية من انضمام أوكرانيا إلى حلف "الناتو"، مما سيؤدي إلى نقل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى الحدود الغربية لروسيا.

وقال ماثيو ساسكس، الخبير الروسي في معهد جريفيث آسيا، لفرانس برس، إن بوتين لطالما أراد "مجال نفوذ" على دول الاتحاد السوفييتي السابق، وله مصلحة كبيرة في أوكرانيا التي "من المرجح أن تنضم إلى الناتو".

"اختبار" لبايدن

وتشير التوقعات إلى أن بايدن سيعيد التأكيد أمام بوتين على سيادة أوكرانيا، بعد أن لوح وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكين، بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على موسكو، بينما يُجري البيت الأبيض مراجعة لخيارات الرد على أي هجوم روسي، بما يشمل المزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا.

وتشير صحيفة واشنطن بوست إلى أن الصراع بين روسيا وأوكرانيا "اختبار سياسي" رئيسي لإدارة بايدن وحلف "الناتو"، الذي قدم مساعدة عسكرية وتدريبا ودعما لكييف، لكن العلاقة لم ترق بعد إلى مستوى حليف.

ويتهم بوتين الغرب بتجاهل "الخطوط الحمراء" لروسيا من خلال إجراء تدريبات في البحر الأسود وإرسال أسلحة حديثة لكييف، مطالبا "بضمانات قانونية" من الحلف بعدم التوسع شرقا أو نشر أسلحة بالقرب من الأراضي الروسية.

ولا تعتقد المحللة الروسية أن بوتين سيحصل على "ضمانات من بايدن بأن أوكرانيا لن تنضم للناتو أبدا.. سوف يستمر في المطالبة بذلك، لكنه لن يحصل على هذه الضمانات".

وترى أن سياسة العقوبات المستمرة منذ سنوات "لم تؤد إلى تغيير جذري" في سلوك بوتين.

وتقترح إجراء المزيد من المناورات العسكرية، وإرسال المزيد من المستشارين العسكريين واتخاذ الخطوات التي تؤدي إلى نتائج ملموسة، لأن بوتين "لم يدفع الثمن حتى الآن".