التجنيد والتعليم والروبل.. خطط روسية خطيرة في جنوبي أوكرانيا

كلما سنحت الفرصة، تحاول الأسر الأوكرانية الفرار من المناطق التي احتلتها روسيا في جنوب أوكرانيا، هربا من مصير غامض، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، فيما تقول صحيفة واشنطن بوست إن روسيا شرعت في تنفيذ خطط تشير إلى أن موسكو ستضم مناطق في جنوب أوكرانيا.

ففي كل يوم، تتنقل قوافل السيارات والشاحنات الصغيرة إلى "مركز تجهيز" على حافة زاباروجيا، الذي أصبح مكتظا بالمدنيين الفارين، حيث تخضع مساحة واسعة من جنوب أوكرانيا، بما في ذلك كل منطقة خيرسون تقريبا وأغلبية منطقة زاباروجيا، تحت الحكم العسكري الروسي منذ أوائل مارس.

وتعمل سلطات الاحتلال الروسي على دمج هذه المناطق بسرعة في روسيا، وتعين إدارات متعاونة، وبدأت في التعامل بالعملة الروسية وتقديم الوثائق والبرامج التعليمية.

والسبت قطعت السلطات الروسية، خدمات الهواتف المحمولة الأوكرانية ومقدمي خدمات الإنترنت عن طريق قطع كابلات الألياف الضوئية وإيقاف الطاقة في المحطات الأساسية، عن معظم المناطق المحتلة في جنوب أوكرانيا، لإخفاء "معلومات حقيقية عن مسار الحرب"، بحسب ما قالت الحكومة الأوكرانية.

ويواجه المدنيون في خيرسون انقطاعا في الإنترنت وخطة لاستخدام العملة الروسية في مؤشرات محتملة على أن موسكو تعتزم ممارسة نفوذ طويل الأمد على المنطقة الواقعة في جنوب أوكرانيا، بحسب صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وفي الوقت نفسه، قالت الحكومة الأوكرانية إن اتصالات الإنترنت وشبكات الهاتف المحمول قد تعطلت في منطقة خيرسون وجزء من منطقة زابوريزغزغيا.

وقالت الدائرة الحكومية للاتصالات الخاصة وحماية المعلومات في أوكرانيا في بيان إنه عمل متعمد يهدف إلى "ترك الأوكرانيين دون الوصول إلى المعلومات الحقيقية عن تطورات الحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا".

وأكدت "نت بلوكس"، وهي مجموعة من المجتمع المدني تراقب الوصول إلى الإنترنت في جميع أنحاء العالم، في وقت متأخر من يوم السبت على تويتر أن "جنوب أوكرانيا المحتلة الآن في خضم انقطاع شبه كامل للإنترنت".

الخوف الأكبر، خاصة بين الرجال، في المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية هو أن يتم تجنيدهم بالقوة قريبا لمحاربة الأوكرانيين الآخرين، حيث حدث ذلك في وقت سابق من هذا العام لرجال حتى سن 65 عاما في أجزاء من منطقتي دونيتسك ولوهانسك بشرق أوكرانيا التي تسيطر عليهما موسكو منذ عام 2014.

يتساءل ميكولا موراشكو، 46 عاما: "إذا قاموا بتجنيدك، وتركت عائلتك رهائن، فماذا يمكنك أن تفعل؟". 

كان موراشكو، أحد الذين استطاعوا أن يقودوا سياراتهم إلى زاباروجيا، مصطحبا معه زوجته وأطفاله من بلدة فاسيلفكا التي تحتلها روسيا: "كان هذا أحد الأسباب الرئيسية وراء خروجنا".

الكثير من المنازل والمباني تدمرت بفعل القصف الروسي في زاباروجيا

وقال إن الجنود الروس عند نقطة التفتيش كانوا يعيدون الأشخاص الذين يعترفون بأنهم متجهون إلى مدينة زاباروجيا الخاضعة للسيطرة الأوكرانية، مضيفا أنه أخبرهم بأنه يقود سيارته في رحلة عمل إلى قرية أخرى تسيطر عليها روسيا بالقرب من خط المواجهة. 

وأشار إلى أنه كان يحلم باليوم الذي يستطيع فيه الخروج من المدينة "كنت أستيقظ من التفكير وأقول لنفسي دعني أحاول المغادرة، واليوم، فعلناها". 

ويتعين على الأشخاص الذين يحاولون الفرار مواجهة القصف وإطلاق النار المتبادل، لأنه ليس هناك اتفاق على ممرات إنسانية. 

ومع ذلك، انتقل حوالي 150 ألفا من سكان المناطق المحتلة في منطقة زاباروجيا، إلى الأجزاء التي تسيطر عليها كييف في أوكرانيا منذ بدء الحرب في 24 فبراير، من بين عدد السكان المقدر ما قبل الحرب 700 ألف نسمة. 

ولم تعلن سلطات الاحتلال الروسي في جنوب أوكرانيا حتى الآن عن خطط للتعبئة العسكرية وتجنيد الأوكرانيين في المناطق المحتلة. ولكن، في إشارة إلى العودة إلى الحكم الشمولي على النمط السوفيتي، بدأت القوات الروسية في العودة إلى الساحات المركزية، وهي النصب التذكارية للينين التي تم تفكيكها من قبل كييف بعد عام 2014، وقامت بإزالة الرموز والأعلام الأوكرانية، ورفعوت بدلا من ذلك الأعلام السوفيتية، جنبا إلى جنب مع الراية الروسية على المباني العامة. 

شارع في وسط مدينة زاباروجيا في 29 أبريل 2022

وأصبح التعامل بالروبل الروسي في أكبر مدينة تسيطر عليها روسيا، زاباروجيا، كما بدأت قاعة الزفاف التي تديرها المدينة في بيرديانسك الساحلية، أيضا في منطقة زاباروجيا، في إصدار شهادات زفاف من الاتحاد الروسي، للعروسين.

وأعلن المسؤولون الروس أن الانتقال إلى العملة الروسية لمنطقة خيرسون سيبدأ في 1 مايو، فيما قال تحديث استخباراتي أصدرته وزارة الدفاع البريطانية إن روسيا تحاول إضفاء الشرعية على "سيطرتها على المدينة والمناطق المحيطة بها من خلال تنصيب إدارة موالية لروسيا"، وفق واشنطن بوست.

وقالت وزارة الدفاع البريطانية، وفقا للصحيفة، إن هذه التحركات مجتمعة "من المرجح أن تكون مؤشرا على نية روسيا ممارسة نفوذ سياسي واقتصادي قوي في خيرسون على المدى الطويل". وأضافت أن السيطرة الدائمة على الأراضي ستوفر الأمن لقبضة روسيا على شبه جزيرة القرم وتسمح لقواتها بمواصلة التقدم في الشمال والغرب، وفق واشنطن بوست.

وتشير وال ستريت جورنال إلى أن "الرسالة من موسكو، هي أن المناطق المحتلة في جنوب أوكرانيا، والتي تشكل جسرا بريا إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في عام 2014، ستبقى تحت السيطرة الروسية إلى الأبد". 

وتلاشت الاحتجاجات السلمية المؤيدة لأوكرانيا في خيرسون وغيرها من المدن المحتلة في الأسابيع الأخيرة، وهو ما حدث بشكل متكرر في مارس. 

وقال الحاكم الأوكراني لمنطقة زاباروجيا، أولكسندر ستاروخ: "في البداية، سمحت أجهزة المخابرات الروسية بهذه الاحتجاجات حتى يتمكنوا من رؤية هيكل شبكات النشطاء، لكن بعد ذلك ، قاموا باحتجاز المنظمين الحقيقيين، إما لتعذيبهم، أو للضغط عليهم للمغادرة إلى الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا."

وأجبر بعض النشطاء المؤيدين لأوكرانيا على الظهور في التلفزيون الذي تسيطر عليه روسيا في المناطق المحتلة للإعلان عن توبتهم عن المشاركة في الاحتجاجات، والدعوة إلى التعاون مع السلطات الروسية، حيث تم إطلاق سراح من فعلوا ذلك، في حين لا يزال مئات آخرون رهن الاعتقال.

وأقر نائب رئيس الإدارة العسكرية المدنية لمنطقة خيرسون، كيريل ستريموسوف، لوكالة الإعلام الروسية، الخميس، بأن "العديد من سكان خيرسون ما زالوا يتوقعون عودة الدولة الأوكرانية، وبالتالي يمتنعون عن التعاون مع إدارته". 

وبحسب رجل أعمال محلي، في توكماك، استطاع الهرب مؤخرا، فإن سلطات الاحتلال تنتقل من باب إلى باب في محاولة لإجبار أصحاب الأعمال على إعادة فتح المتاجر والمطاعم والفنادق والنوادي الليلية.

وقتل عدد قليل من سكان جنوب أوكرانيا المعروفين بتعاونهم مع القوات الروسية في الأسابيع الأخيرة على أيدي مهاجمين مجهولين، وفقا لمسؤولين أوكرانيين وسكان محليين.

وتم استبدال جميع رؤساء البلديات المنتخبين في البلدات والقرى المحتلة في جنوب أوكرانيا تقريبا بتعيين عسكريين روس، أو بموالين لهم. 

بالنسبة لكلا الجانبين، يعتبر التعليم ساحة معركة حاسمة. ففي منطقة زاباروجيا، أمرت السلطات الأوكرانية، بإغلاق المدارس مبكرا اعتبارا من الأحد الثاني من مايو، لكن القوات الروسية تحاول إعادة فتح المدارس كجزء من مشروع موسكو "لإعادة تثقيف" سكان أوكرانيا والقضاء على المشاعر الوطنية الأوكرانية. 

بالنسبة لسيرهي أوليكسينكو، مدرس الجغرافيا، وزوجته تيتيانا، وهي معلمة ابتدائية، دفعهما هذا الضغط إلى حزم كل متعلقاتهما في مقطورة صغيرة ومغادرة منزلهما في منطقة تشيرنيهيفكا في منطقة زاباروجيا، السبت. 

وقال أوليكسينكو: "لن ننتظر حتى نجبر على التدريس باللغة الروسية"، مشيرا إلى أن تسعة من المعلمين البالغ عددهم 16 معلما في مدرسته فروا أيضا إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الأوكرانية. 

في "مركز التجهيز"، على حافة منطقة زاباروجيا، يتم استجواب الوافدين مثل أوليكسينكو، لفترة وجيزة من قبل ضباط الشرطة، الذين يلتقطون صورا للوثائق باستخدام الهواتف المحمولة ويقومون بالبحث في قواعد البيانات للتأكد من عدم تعاون هذا الوافد من سلطات الاحتلال الروسي. 

بموجب القانون الأوكراني المعدل مؤخرا، يواجه المتعاونون مع الاحتلال، 15 عاما في السجن، وتصل العقوبة إلى السجن مدى الحياة لمن تثبت إدانته بالخيانة. ولا تعمل أوكرانيا بعقوبة الإعدام. 

وخلال قيام الشرطة الأوكرانية بفحص جواز سفر زمفيرا، عبرت عن ارتياحها بالبكاء بعد رحلة عناء استغرقت يومين، قادمة من مدينة كاخوفكا. 

وقالت زمفيرا التي تركت والدها طريح الفراش وراءها، إن "المدنيين الذين يتنقلون في أنحاء كاخوفكا أصبح يجب عليهم أن يرتدوا شارات بيضاء، كما نفد الطعام من المتاجر المحلية، ولم تعد هناك أدوية في الصيدليات". 

وأضافت: أصبحنا مثل الأجانب في المدينة التي ولدنا فيها. الأعلام الروسية أصبحت في كل مكان، يخبرنا الجنود الروس أنه لم يعد هناك أوكرانيا. لذا عندما رأينا علمنا الأوكراني اليوم في المعبر لم نستطع أن نمنع أنفسنا عن البكاء".