صواريخ كوريا الشمالية.. قدرات غير مسبوقة وتحذير من "هجمات التشبع"
حذر محللون من مغبة تسريع كوريا الشمالية لقدراتها الصاروخية بوتيرة غير مسبوقة هذا العام، وصلت إلى حد إطلاق 8 صواريخ بشكل متزامن من مواقع مختلفة، مما قد يقود إلى مواجهة عسكرية شاملة في شبه الجزيرة الكورية.
وأطلقت بيونغ يانغ، الأحد، 8 صواريخ باليستية قصيرة المدى في البحر من أربعة مواقع مختلفة في فترة 35 دقيقة تقريبا، وفقا للجيش الكوري الجنوبي.
وقالت كوريا الجنوبية إن الصواريخ انطلقت من 110 إلى 670 كيلومترا على ارتفاعات تتراوح بين 25 و 90 كيلومترا وبسرعات ما بين 3 و 6 ماخ. وسقطت جميع الصواريخ خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، التي تمتد إلى 370 كيلومترا من ساحلها، وفق موقع "جابان تايمز".
مسؤولون ومحللون وصفوا عملية الإطلاق المنسقة بأنها سابقة. وصرح وزير الدفاع الياباني، نوبوو كيشي، بأن "إطلاق صواريخ بأعداد كبيرة من ثلاثة مواقع على الأقل في إطار زمني قصير كهذا غير اعتيادي".
وقال أنكيت باندا، زميل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومقرها الولايات المتحدة، إن إطلاق ثمانية صواريخ كان "غير مسبوق".
وقال مايكل دويتسمان، الباحث في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار لموقع Stars and Stripes الأميركي إن بيونغ يانغ "أجرت عدة عمليات إطلاق في حدث واحد من قبل، لكنها عادة ما تكون بأعداد أقل بكثير".
وفي أعقاب عملية الإطلاق، ردت القوات المشتركة الأميركية والكورية الجنوبية بإطلاق 8 صواريخ في بحر اليابان، في ساعة مبكرة من صباح الإثنين، قبالة الساحل الشرقي لكوريا الجنوبية، ما وصفه محللون بأنه "استعراض للقوة".
وفي استعراض جديد للقوة، الثلاثاء، حلقت مقاتلات تابعة لكوريا الجنوبية والولايات المتحدة فوق المياه المحيطة بشبه الجزيرة الكورية، وفق فرانس برس.
وكانت عمليات الإطلاق الأخيرة أحدث إشارة من زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، على أنه يعتزم تطوير برامجه الصاروخية على الرغم من العقوبات الدولية وجائحة كوفيد.
ريتشارد وايتز، خبير الشؤون العسكرية في معهد هدسون الأميركي قال لموقع الحرة إنه كوريا الشمالية أجرت منذ بداية العام تجارب أكثر من أي وقت مضى، إذ اختبرت قدرات جديدة، وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، وصواريخ يمكنها المناورة، وصواريخ بالستية عابرة للقارات الجديدة.
وكانت التجربة الأخيرة هي المرة الـ18 التي تقدم فيها على تجارب صاروخية هذا العام وحده بمجموع 28 صاروخا باليستيا، بما في ذلك إطلاق صاروخ بالستي عابر للقارات لأول مرة منذ عام 2017.
وكانت آخر عملية إطلاق في 25 مايو، بعد ساعات من مغادرة الرئيس جو بايدن آسيا، بعد أول رحلة رئاسية له إلى كوريا الجنوبية واليابان.
المدير التنفيذي لـ"جمعية الحد من الأسلحة" بواشنطن، داريل كيمبل، وصف عملية الإطلاق وما أعقبها من استعراض للقوة بأنه يأتي في إطار نموذج "لنزاع يجري منذ محادثات الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية بشأن نزع سلاحها النووي والتي انهارت بعد قمة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، وكيم في هانوي".
ويوضح في تصريحات لموقع الحرة أنه منذ ذلك الحين، استأنفت كوريا الشمالية اختبار صواريخ باليستية، وتعمل تدريجيا ولكن بشكل مطرد على تحسين قدراتها في هذا المجال، لكن في حين لم تستأنف بعد التجارب النووية، من المحتمل أن تكدس المزيد من المواد النووية المستخدمة في صنع القنابل النووية.
ليف إريك إيزلي، الأستاذ في جامعة إيوا في سيول، قال لموقع "جابان تايمز" إن عملية الإطلاق، يوم الأحد، تشير إلى أن بيونغ يانغ تواصل "تنويع وتوسيع ترسانتها".
"خطوة متوقعة"ولكن في حين أن الإطلاق شبه المتزامن لثمانية صواريخ قصيرة المدى متقدمة أمر غير معتاد، فإن هذه الخطوة لم تكن غير متوقعة تماما بعد أن تعهد كيم في أبريل بتحسين ترسانته من الأسلحة القادرة على حمل رؤوس حربية نووية تكتيكية أصغر، مع التلميح أيضا أنه يستطيع استخدام الأسلحة "بشكل استباقي" لمواجهة القوات المعادية، وفق "جابان تايمز".
وقالت وكالة الأنباء المركزية الكورية في أبريل إن كيم أعطى تعليمات بشأن "خطة طويلة المدى" من أجل "زيادة بناء القدرات الدفاعية والقوات القتالية النووية" لبلاده.
ويرى وايتز، المحلل في معهد هدسون، أن قدرة بيونغ يانغ على إطلاق عدة صواريخ بشكل متزامن "سيمنحها قدرة التهرب أو إرباك الدفاعات الصاروخية لأنه سيكون من الصعب حقا إسقاطها جميعا.
وإذا كان بإمكان بيونغ يانغ إطلاق صواريخ يمكنها المناورة أثناء الطيران، أو تلك التي تفوق سرعة الصوت، ستكون الولايات المتحدة وكوريا واليابان بحاجة إلى اعتراض هدف يتعرج أو يتحرك بشكل أسرع بكثير من الأنظمة الدفاعية" وهذا الأمر سيكون تحديا كبيرا لهذه الدول لحماية قواتها وشعوبها.
ويقول داريل كيمبل، من جمعية "الحد من السلاح" في تصريحاته لموقع الحرة إن الدفاعات الحالية غير قادرة على التصدي للهجمات الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسط المدى بأعدادها هذه، مضيفا: "لا يمكنهم التعامل مع وابل من الصواريخ الباليستية".
وكان وزير الدفاع الياباني، نوبوو كيشي، صرح بأن "من المحتمل أن تكون عمليات الإطلاق تهدف إلى تحسين قدرات الإطلاق المستمرة (لكوريا الشمالية) والتي تعد ضرورية لشن هجوم ساحق (هجمات التشبع)".
"معضلة" الأمن في المنطقةو"هجمات التشبع" تكتيك عسكري يهدف الطرف المهاجم من خلاله إلى الحصول على تفوق عسكري من خلال التغلب على القدرات الدفاعية للطرف الآخر. ويحدث ذلك عندما يكون يتجاوز عدد الأهداف قدرات أنظمة الدفاع الجوي.
وتنقل "جابان تايمز" عن خبراء القول إن برامج الدفاع الصاروخي اليابانية متعددة المستويات بالاشتراك مع الولايات المتحدة، مثل نظام Aegis وباتريوت لا يمكنها التصدي لمثل هذه الهجمات.
وقد أقر الأمين العام لحكومة اليابان، هيروكازو ماتسونو، بتقدم بيونغ يانغ في برامج الأسلحة قائلا: "تتطور تكنولوجيا الصواريخ (الكورية الشمالية) بوتيرة سريعة، ومن المهم بذل جهود متواصلة لتعزيز قدرات الاعتراض".
ويقول وايتز لموقع الحرة إن اليابانيين يبحثون عن تطوير قدرة الردع المضادة وقد ناقشوا ذلك الشهر الماضي مع بايدن، أثناء زيارته المنطقة. وهذا يعني تطوير صواريخ هجومية خاصة تمكنهم من مهاجمة وتدمير الصواريخ الكورية الشمالية قبل إطلاقها.
وحذر المحلل من إمكانية أن يؤدي هذا التصيعد إلى حدوث "أزمة" عندما ترى اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أن الكوريين الشماليين ينتظرون إطلاق صواريخ، وعندها سيتعين عليهم اتخاذ قرار، إما إنتظار الإطلاق ومحاولة إسقاط الصواريخن أو إطلاق صواريخهم الخاصة أولا لمحاولة تدميرها على الأرض.
لكن هذا الأمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى دخول المنطقة حالة الحرب، وهو ما سيكون "معضلة صعبة للغاية".
ويقول كيمبل لموقع الحرة إن اندلاع حرب مع كوريا الشمالية يحتاج فقط أن تمتلك صاروخا أو اثنين من تلك الصواريخ الباليستية المزودة برأس حربي نووي لاجتياز الدفاعات.
الحل الدبلوماسيويرى كيمبل أن الدفاعات الصاروخية ليس العلاج للأزمة، ففي حين ستحاول الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية الرد على هجوم كوري شمالي أو منع هجوم محتمل، فإن النتيجة ستكون تدمير المنطقة.
ويقول إنه كلما طورت كوريا الشمالية قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية، كلما أصبح الوضع أكثر خطورة.
وتأتي عمليات إطلاق الصواريخ الأخيرة بعد أن حذر مسؤولون أميركيون وكوريون جنوبيون من أن بيونغ يانغ أكملت الاستعدادات لإجراء تجربة نووية سابعة، وأنها تدرس توقيت تنفيذذلك.
ويرى وايتز أنهم قادرون على القيام بذلك "قريبا جدا"، والأمر فقط هو "هل يريدون القيام بذلك في الوقت المحدد، أم يريدون التأجيل وإبقاء الجميع يفكرون في الأمر".
ويقول كيمبل إنه كلما طال أمد هذا النزاع، كلما استمرت كوريا الشمالية في الاستفادة من الوقت لتحسين قدراتها، ويرى أن الحل هو العودة إلى المحادثات وإيجاد طريقة لوقف هذه الاستفزازات.
ويشير إلى أن إدارة ترامب تواصلت مع بيونغ يانغ على مستوى القيادة، مما ذلل بعض الصعاب، لكن هذا التواصل لم يستمر، لذلك كانت النتائج محدودة. ويوضح أن الإدارة الحالية أعربت عن استعدادها لاستئناف المفاوضات لكنها لم تنجح حتى الآن.
وكانت مساعدة وزير الخارجية الأميركي، ويندي شيرمان، قد حذرت من رد "سريع وقوي" إذا مضت بيونغ يانغ قدما في تجربة نووية. وأعربت في الوقت ذاته عن رغبة واشنطن في الحوار مع بيونغ يانغ، مشيرة إلى أنه لا توجد "نوايا عدائية" لدى واشنطن تجاه بيونغ يانغ.
ويقول كيمبل : "نحن بحاجة إلى نهج دائم يؤدي في النهاية إلى تجميد البرنامج النووي لكوريا الشمالية والتجارب الصواريخية، لكن يجب أن يكون ذلك مصحوبا بإجراءات تعالج المخاوف الأمنية لها".