حطام السفن.. استراتيجية بكين "الهشة" للسيطرة على بحر الصين الجنوبي
تسعى الصين إلى تأكيد سيادتها على بحر الصين الجنوبي، المتنازع عليه، من خلال حطام السفن الصينية التي تعثر عليها في المنطقة، رغم الشكوك المحيطة بروايتها، وفق مجلة إيكونوميست.
وإلى جانب سلاحي البحرية وخفر السواحل اللذين يعملان على تأكيد هذه السيادة، تستخدم بكين أعمال البحث عن حطام السفن الصينية القديمة في المنطقة للإشارة إلى حدودها التاريخية، وذلك في إطار عملية دفع "ناعمة" تهدف إلى السيطرة على كامل الممر المائي تقريبا، وفق تقرير للمجلة.
ويشير التقرير إلى جهود متزايدة من جانب بكين لزيادة أعمال البحث عن حطام السفن، منذ عام 2018، ومنع الدول الأخرى من القيام بجهود مماثلة. وتكشف أعمال البحث هذه عن تقدم هائل في تكنولوجيا البحث في أعماق البحر.
والعام الماضي، عثرت بعثة صينية على حطام سفينتين، تحتوي واحدة منهما على كؤوس ومزهريات خزفية، والثانية على أخشاب، وتعطي السفينتان الغارقتان لمحة عن التجارة خلال حكم أسرة مينغ (1368-1644)، عندما كان يتم شحن الخزف الصيني لمناطق أخرى في العالم.
ويقول المسؤولون في بكين إن حطام السفينتين "يؤكد الحقائق التاريخية بأن الأسلاف الصينيين سافروا من وإلى بحر الصين الجنوبي".
ويغطي بحر الصين الجنوبي مساحة أكثر من ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، وتمر من خلاله سنويا أكثر من خمسة تريليونات دولار من التجارة، وبه مخزونات ضخمة من النفط والغاز، وفق فرانس برس.
في بحر الصين الجنوبي ثروات هائلةوتقول المجلة إنه طريق تجاري مهم وموطن لمخزونات سمكية واحتياطيات طاقة عالية القيمة.
وتتنازع عليه سبع دول تطالب بالسيادة على أجزاء منه، وفق رويترز، لكن الصين هي الأكثر توسعا، وتطالب بالسيادة على كل المياه الغنية بالطاقة فيه تقريبا، وأقامت مواقع عسكرية على جزر اصطناعية هناك.
واتهمت الولايات المتحدة الصين بإضفاء الطابع العسكري على البحر، ومحاولة تخويف الدول الآسيوية المجاورة التي قد ترغب في استغلال احتياطيات النفط والغاز الهائلة.
ويشير تقرير إيكونوميست إلى أن بكين تحاول خلق قضية تاريخية من خلال عرض الخرائط والنصوص الصينية القديمة التي تشير إلى البحار الجنوبية.
وتعزز مسألة حطام السفن الحجة التاريخية، ووفقا لمنطق الصين، فإن حطام السفن الصينية القديمة يشير إلى الأراضي التي كانت الدولة تسيطر عليها في الماضي وبالتالي يجب أن تستمر هذه الحدود.
وتم إرسال خبيرين صينيين في مجال البورسلين إلى مزاد لشراء بعض القطع التي كانت عثرت عليها بعثة بريطانية، عام 1985، في سفينة هولندية كانت قد تحطمت في المنطقة، في القرن الثامن عشر، وعلى متنها البورسلين والذهب الصيني.
وتهيمن الصين حاليا على أعمال البحث عن الحطام ولا تسمح للدول الأخرى بمشاركتها.
وتقول المجلة إن هناك شكوكا في سلوك الصين، إذ أن بعثاتها لا تجد سوى حطام السفن الصينية، كما أن بكين لا تتعاون مع علماء الآثار الأجانب، ولا تتسامح مع الرحلات الاستكشافية الأخرى.
وفي عام 2012، طاردت سفينة صينية أخرى يقودها عالم آثار فرنسي كان يعمل مع المتحف الوطني للفلبين، وذلك بالقرب من جزيرة سكاربورو شول في بحر اصلين الجنوبي.
وتشير المجلة إلى أنه في الماضي، كانت تقتصر أعمال البحث عن الحطام على المياه الضحلة التي يصل إليها ضوء الشمس، حيث يسهل اكتشاف بقايا السفن، لكن منذ عام 2018، بدأت البحث في أعماق البحار، مما يعني أنها تملك تقنيات متقدمة للوصول إلى تلك الأعماق.
ولاكتشاف حطام السفينة التي تعود إلى عصر مينغ، استخدمت الصين الغواصة "شينهاي يونغشا" وهي غواصة بحث تحمل ثلاثة أشخاص، يمكنها تحمل الضغط على أعماق تصل إلى 4500 متر، وتستطيع التقاط القطع الأثرية الدقيقة، وهي محملة بكاميرات تسمح للباحثين بإنشاء نماذج رقمية لحطام السفن.
وتساعد الغواصة أيضا في التنقيب عن كنوز أخرى، مثل حقول النفط والغاز الكبيرة والمعادن الثمينة.
والكثير مما تفعله الصين في مجال الآثار المغمورة بالمياه له استخدامات عسكرية واستراتيجية، وفق المجلة.
لكن القضية التاريخية "هشة مثل الخزف"، وفق الخبراء الذين تحدثوا للمجلة، فلا يعني أن سفينة صينية كانت تنقل حمولة من الصين أو إليها أنها كانت تقع تحت نطاق الحكم الصيني.
وآلاف السفن الموجودة تحت بحر الصين الجنوبي ليست صينية، وبعضها كان مملوكا لأفراد وشركات خاصة. وقد تكون أطقمها قد أتت عبر المحيط الهندي وكانوا يتحدثون العربية أو الفارسية أو الملايو.
ويقول التقرير إن بحر الصين الجنوبي يتمتع بتاريخ غني ومتعدد الثقافات، والصين جاهزة بشكل أفضل لاستكشافه، والدولة الأكثر قدرة على اكتشاف هذا الماضي هي أيضا الدولة الأكثر قدرة على تحريفه.