حين تتحول الموارد إلى أدوات قهر… مأساة إب في ظل سيطرة الحوثيين
تعيش محافظة إب اليوم وضعاً مأساوياً يعكس حجم الانتهاكات والتحديات التي يواجهها سكانها منذ سيطرة المليشيا الحوثية على المحافظة والسطو والاستيلاء علي المؤسسات الرسمية.
فمع توقف الرواتب الحكومية لسنوات طويلة، بات الموظف عاجزاً عن توفير الحد الأدنى لمعيشة أسرته، فيما تضطر العديد من العائلات إلى الاعتماد على التحويلات من أقاربها في الخارج أو على أعمال غير رسمية بالكاد تكفي لسد الاحتياجات اليومية.
هذه الأزمة المعيشية المستمرة أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر والتسرب من المدارس وتفكك الأسر، وأثرت بشكل مباشر على نوعية الحياة في المحافظة.
الأزمات المالية لم تقتصر على الموظفين فحسب، بل امتدت لتشمل التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة، حيث تستمر المليشيا بفرض إتاوات ورسوم غير قانونية تحت مسميات متعددة، الأمر الذي أدى إلى زيادة الأسعار وارتفاع تكاليف التجارة، وزاد العبئ على المواطنين في وقت يفتقدون فيه أي دعم حكومي أو خدمات أساسية.
انهيار القطاع الصحي وارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة
المشهد الصحي في إب يعكس مأساة متكاملة، إذ تعاني المستشفيات الحكومية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، مما جعل القطاع الخاص هو البديل الوحيد أمام المرضى الذين غالباً ما يفتقرون إلى القدرة المالية لتغطية تكاليف العلاج.
وأدت هذه الظروف إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطان والفشل الكلوي، بينما يجد المرضى أنفسهم عاجزين عن الحصول على العلاج اللازم بسبب غياب الدعم الحكومي.
يضاف إلى ذلك غياب برامج الوقاية الصحية واللقاحات الضرورية، ما جعل المحافظة ميداناً لتفاقم المخاطر الصحية التي تهدد حياة السكان.
ظاهرة أخرى صادمة تتعلق بانتشار الكلاب الضالة والمسعورة التي تهاجم المواطنين في الأحياء الشعبية والقرى، وتزيد من خطورة الوضع الصحي مع ندرة توفر لقاحات مضادة لداء الكلب، الأمر الذي يمثل تهديداً يومياً للأطفال والكبار على حد سواء.
ووفق احصاءات طبية اكدت وفاة سبعة اشخاص معظمهم من الأطفال امنذ بداية يناير 2026م اثر تعرضهم لعضات كلاب مسعورة مع عدم توفر اللقاحات في مكتب الصحة والمستشفيات الحكومية بالمحافظة وارتفاع تكاليفها في المستشفيات الخاصة.
موارد المحافظة… من الثراء إلى الخسارة
تعد محافظة إب من اكثر المحافظات اليمنية الخاضعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي من حيث الموارد المالية، الحكومية، إذ تمتلك أصولاً وقفية كبيرة وأراضياً وعقارات كانت في السابق تصب في مصلحة المجتمع المحلي.
ومع ذلك، أصبحت هذه الموارد اليوم أداة لتمويل الجماعة الحوثية في صنعاء وصعدة، دون أن تعود بأي منفعة ملموسة على ابنائها.
إيرادات الأوقاف والزكاة والضرائب وصندوق النظافة، التي يفترض أن تمول مشاريع تنموية وخدمات عامة، يتم تحويلها بالكامل وفق تصريحات في السلطة المحلية الخاضعة لسيطرة المليشيا إلى المراكز القيادية الحوثية، بينما تعاني المحافظة من نقص الخدمات الأساسية والمدارس والمستشفيات.
هذا الوضع عكس سياسة مركزية حوثية صارمة، جعلت إب مدينة غنية مالياً وفقيرة بشرياً في الوقت ذاته.
ارتفاع معدلات الجريمة وانعدام الأمن
وفق تقاربر حقوقية وامنيى الأمن في محافظة إب يعاني من حالة انفلات متسارعة، حيث تنتشر الجرائم بمختلف أشكالها بدءاً من القتل الاسري والسطو المسلح وانتهاء بالاختطافات والاعتقالات التعسفية.
كما يعاني المواطنين من غياب العدالة وانتشار مراكز نفوذ حوثية تتحكم باجهزة الامن والقضاء في حياة المواطنين،
ما زاد السكان بشعور العجز والخوف في مواجهة القوى المسيطرة على مناطقهم.
حيث وأن الوضع الأمني بمحافظة إب انعكس بشكل مباشر على حياة الناس اليومية، فبات الخوف من الاعتداء والسطو جزءاً من الروتين اليومي، كما أن الأطفال والشباب أصبحوا عرضة بشكل أكبر لمخاطر التجنيد والاختطافات، وهو ما يفاقم أبعاد الأزمة الإنسانية في المحافظة.
التعليم بين التطييف والتجنيد
يواجه قطاع التعليم في محافظة إب تحديات ضخمة نتيجة سياسات المليشيا التي استغلت المدارس كمراكز للتعبئة الفكرية والأيديولوجية.
المناهج الدراسية تم تعديلها لتتضمن مضامين سياسية ومذهبية، فيما يُجبر الطلاب والمعلمون على حضور فعاليات وأنشطة طائفية تحت مسمى الاحتفالات والمناسبات الدينية، مع عقوبات غير معلنة في حال الامتناع عن المشاركة.
وتتصاعد المخاطر بشكل أكبر مع استغلال المدارس والأنشطة الطلابية لتجنيد الأطفال والطلاب في صفوف المليشيا، وهو ما يجعل المحافظة في مقدمة المحافظات اليمنية من حيث عدد الأطفال المجندين، وفق تقرير حقوقية فيما يواجه أولياء الأمور صعوبة في حماية أبنائهم من هذا الاستغلال.
إقصاء الكفاءات المحلية والتهميش الإداري
إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يعاني أبناء محافظة إب من التهميش المستمر في الوظائف العامة والمناصب التنفيذية.
كثير من المكاتب الإدارية والمناصب القيادية يتم شغلها بأشخاص من خارج المحافظة من العناصر الحوثية والعناصر الموالية، ما جعل القرار الإداري في المحافظة بعيداً عن أبناء إب ويزيد من شعور الاحتقان الاجتماعي والغضب المدني.
هذا الإقصاء الإداري عكس سياسة ممنهجة لتهميش السكان المحليين، وخلق حالة من الانسحاب السياسي والاجتماعي بين المواطنين الذين يشعرون أن محافظتهم أصبحت مجرد منطقة خاضعة للسيطرة المباشرة من خارجها.
الضغط على المواطنين وحضور الفعاليات الإجبارية
لا تقتصر سياسات المليشيا في إب على الإدارة المالية أو الإقصاء السياسي، والاجتماعي، بل امتدت إلى الحياة اليومية للمواطنين، حيث يُجبر الموظفون والطلاب والأهالي على حضور فعاليات وأنشطة طائفية وأيديولوجية لا يمكن رفضها دون التعرض للعقاب.
تُستخدم هذه الفعاليات كأداة للتعبئة الفكرية وتعزيز الولاء لسلطة الانقلاب الحوثي، ما يزيد من شعور السكان بالقهر والاضطهاد النفسي.
الضغط على حضور هذه الفعاليات لا يشمل الفعاليات العامة فقط، بل يمتد إلى المدارس والجامعات، ما يجعل الحياة اليومية محاطة بطوق من الرقابة والإكراه المستمر على المواطنين.
محافظة إب في قلب مأساة الحرب
على الرغم من أنها ليست ساحة قتال رئيسية كما هو الحال في بعض المحافظات الأخرى، إلا أن محافظة إب دفعت ثمناً بشرياً واقتصادياً كبيراً نتيجة الحرب والانقلاب الحوثي المستمر.
الأطفال والشباب أصبحوا وقوداً للتجنيد، والأسواق تنهار تحت وطأة الإتاوات والجبايات، والخدمات الصحية والتعليمية شبه متوقفة، ما جعل المحافظة إحدى أبرز بؤر المعاناة الإنسانية في اليمن.
يضاف إلى ذلك غياب أي أفق واضح لإنهاء الأزمة، حيث لا تزال مليشيات الحوثي الإرهابية تفرض سيطرتها على الموارد والإدارات، بينما المواطن العادي يعاني بلا حماية ولا دعم، ما يجعل المحافظة تتقدم في قائمة المحافظات اليمنية من حيث الأزمات المركبة والمتشابكة.
معاناة مستمرة ومستقبل غامض
اليوم، تمثل محافظة إب حالة نموذجية لمعاناة اليمنيين في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية، حيث يلتقي الانهيار الاقتصادي مع الأزمة الصحية، ويختلط التهميش الإداري مع التطييف والتجنيد، بينما يتم استنزاف الموارد المالية المحلية بشكل كامل لتغذية آلة الحرب السلالية.
المواطنون يعيشون في دائرة من الفقر والخوف والمرض، لا يمكن كسرها إلا بإنهاء سيطرة الحوثيين وإعادة المؤسسات إلى أيدي أبناء المحافظة. لكن حتى اللحظة، يبدو المستقبل غامضاً، والمأساة مستمرة، فيما محافظة إب الغنية تاريخياً بالموارد والثقافة تتدهور إلى مدينة مكتظة بالسكان، فقيرة الخدمات، ومليئة بالجرحى والمرضى، تبحث عن أي بصيص أمل يمكن أن يخفف من وطأة الواقع القاسي الذي فرضته الحرب وسياسات المليشيات الحوثية.