ذا ماريتايم إكزكيوتيف: إغلاق مضيق هرمز يدفع شركات الشحن للعودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح
أفاد تقرير تحليلي بأن التصعيد العسكري الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط خلال شهري فبراير ومارس 2026 تسبب في اضطراب واسع في حركة التجارة البحرية العالمية، مسلطاً الضوء على هشاشة خطوط الإمداد الدولية المعتمدة بشكل أساسي على النقل عبر البحار.
وقال الكاتب فرانسوا فري، في تقرير نشرته مجلة "ذا ماريتايم إكزكيوتيف" وهي متخصصة في شؤون الملاحة البحرية، إن الاقتصاد العالمي يعتمد بصورة جوهرية على تدفقات مستقرة ويمكن التنبؤ بها للبضائع عبر الممرات البحرية، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة كشفت مدى قابلية هذه الشبكة الحيوية للاضطراب في أوقات الأزمات.
وأوضح التقرير أن الهجمات العسكرية التي استهدفت إيران وما تبعها من توترات بحرية أدت إلى تصاعد المخاطر في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
ومع إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، واجهت حركة التجارة الدولية اضطراباً حاداً، فيما دفعت المخاطر الأمنية وشروط التأمين المرتفعة شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها التقليدية.
تحولات في مسارات التجارة
وبحسب التقرير، فإن شركات النقل البحري وشركات التأمين بدأت بالفعل دراسة العودة إلى استخدام الطريق البحري حول الطرف الجنوبي لقارة أفريقيا، عبر رأس الرجاء الصالح، باعتباره بديلاً في حال اتساع رقعة النزاع في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
وأشار التقرير إلى أن التوترات العسكرية امتدت إلى مناطق بعيدة نسبياً عن مسرح الصراع المباشر، بما في ذلك إطلاق صواريخ باتجاه جزيرة قبرص في شرق البحر المتوسط، إلى جانب حادثة إغراق سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي جنوب سريلانكا، ما يشير إلى اتساع نطاق المخاطر في الممرات البحرية الحيوية.
ويرى الكاتب أن أحداث مارس 2026 قد تمثل نقطة تحول في النظرة العالمية إلى طريق رأس الرجاء الصالح، الذي كان يُستخدم في السابق كخيار احتياطي لتجنب المخاطر الأمنية في شمال غرب المحيط الهندي، لكنه بات يقترب من أن يصبح مساراً رئيسياً لحركة الشحن في ظل تصاعد التهديدات.
مخاطر الملاحة البحرية
ولفت التقرير إلى أن طريق رأس الرجاء الصالح كان المسار البحري الأساسي للتجارة بين المحيطين الأطلسي والهندي قبل افتتاح قناة السويس عام 1869، وهو ما اختصر مسافات الشحن بين أوروبا وآسيا بشكل كبير.
إلا أن القناة لم تكن دائماً ممراً مستقراً، فقد شهدت إغلاقات متكررة بسبب النزاعات المسلحة في المنطقة، خصوصاً خلال الحروب العربية الإسرائيلية في أعوام 1956 و1967 و1973.
وبعد حرب 1967 ظلت القناة مغلقة قرابة ثماني سنوات، ما أدى إلى تعطّل حركة الملاحة واحتجاز سفن تجارية داخلها.
كما تعرضت الممرات البحرية في المنطقة لاحقاً لتهديدات أخرى، أبرزها تصاعد القرصنة قبالة سواحل القرن الإفريقي في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قبل أن يسهم انتشار قوة بحرية دولية في احتواء تلك الظاهرة.
وفي عام 2021، تسبب جنوح سفينة حاويات عملاقة في إغلاق قناة السويس لعدة أيام، وهو حادث أظهر أن المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية لا تقتصر على النزاعات المسلحة فحسب، بل تشمل أيضاً الحوادث التقنية والظروف الطبيعية.
هجمات البحر الأحمر
وأشار التقرير إلى أن الهجمات التي نفذتها مليشيا الحوثي الإرهابية في اليمن ضد السفن التجارية في جنوب البحر الأحمر ابتداءً من عام 2024 دفعت عدداً كبيراً من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها بعيداً عن هذا الممر الحيوي.
وأمام تلك التهديدات اضطرت الشركات إلى الاختيار بين الإبحار تحت خطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو الاعتماد على مرافقة السفن الحربية الدولية، أو تحويل مسار السفن بالكامل حول رأس الرجاء الصالح.
وتشير تقديرات إلى أن ما يصل إلى ثلثي حركة الشحن في ذروة الأزمة اتجهت جنوباً عبر الطريق البحري حول أفريقيا.
مخاطر الطريق البديل
ورغم أنه يوفر بديلاً آمناً نسبياً، فإن طريق رأس الرجاء الصالح يفرض تحديات كبيرة على شركات الشحن. فالأحوال البحرية القاسية في تلك المنطقة تزيد من احتمالات فقدان الحاويات في البحر، ما يترتب عليه خسائر مالية وأضرار بيئية.
كما أن طول المسار قد يضيف نحو خمسة عشر يوماً إلى مدة الرحلات البحرية، إلى جانب محدودية خدمات الإنقاذ في أعماق البحار على طول هذا الطريق.
ويحذر التقرير أيضاً من المخاطر المرتبطة بدخول السفن إلى بعض الموانئ الأفريقية في حالات الطوارئ، حيث قد تواجه السفن ضعف الخدمات اللوجستية أو بطء الإجراءات في بعض المرافئ.
تعاون دولي
ويرى التقرير أن تقليل هذه المخاطر يتطلب تعاوناً واسع النطاق بين الحكومات الإفريقية والهيئات البحرية الدولية وشركات الشحن، من أجل تطوير البنية التحتية للموانئ وتحسين خدمات الإمداد والإنقاذ والبحث والإنقاذ البحري.
ويشدد على أهمية تعزيز التنسيق بين قوات خفر السواحل والسلطات البحرية في الدول المطلة على الطريق البحري حول أفريقيا، بما يضمن تأمين الممرات البحرية الحيوية واستمرار تدفق التجارة العالمية.
ويشير التقرير إلى أن ضمان أمن الملاحة حول رأس الرجاء الصالح لا يمكن أن يكون مسؤولية دولة واحدة، بل يتطلب شراكات إقليمية ودولية أوسع لضمان بقاء هذا الطريق بديلاً موثوقاً للتجارة العالمية في أوقات الأزمات.