في يومها العالمي.. المرأة اليمنية تحت قمع الحوثيين

في 8 مارس من كل عام، يحتفل العالم بيوم عالمي للمرأة، كفرصة للتأكيد على حقوق النساء والمطالبة بالمساواة والحرية والكرامة. أما في اليمن، تبقى هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على مأساة حقيقية يعيشها نصف المجتمع اليمني في ظل قمع مليشيات الحوثي التي طالت النساء أكثر من أي فئة أخرى، منذ انقلابها على السلطة في 2014.

يوم المرأة العالمي في اليمن ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو تذكير بواقع مؤلم حيث تتقاطع فيه الحرب مع سياسات قمعية ممنهجة هدفها تقييد حياة النساء، وسلب حقوقهن الإنسانية الأساسية، وتشويه وجودهن في المجتمع.

تظهر تقارير حقوقية محلية ودولية أن المرأة اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين قد تعرضت ومازالت  لانتهاكات جسيمة في أكثر من بعد، شملت القتل والإصابات، الاعتقالات التعسفية، الإخفاء القسري، التعذيب، حصار التعليم والعمل والخدمات الصحية، وتقييد حرية الحركة، واستهداف الناشطات والصحفيات والمثقفات.

هذه الممارسات تكشف عن استهداف ممنهج يمتد على مدى سنوات، ولا يعكس فقط آثار الحرب، بل سياسة متجذرة في منظومة قمع تستهدف المجتمع كاملاً عبر نسائه.

قتل وإصابات: العنف الذي لا يعرف هوادة

تشير بيانات الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ومنظمات حقوقية اخري إلى أن آلاف النساء تعرضن للقتل أو الإصابة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، نتيجة القصف العشوائي، العبوات الناسفة، التفجيرات، ونيران القناصة في الأحياء السكنية والأسواق العامة.

عمليات العنف التي لا تميز بين مقاتل ومدني أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا النساء، وهنّ داخل منازلهن أو خلال تنقلهن في الطرقات، ما يعكس تجاهلًا صارخاً للحياة المدنية وقواعد القانون الإنساني الدولي.

في العديد من المحافظات، وثّقت المنظمات الحقوقية حالات مأساوية لنساء قُتلن أثناء تنفيذهن أعمالاً بسيطة كالتسوق أو السعي لتأمين احتياجات أسرهن.

وقد تضمّنت هذه الحوادث انعدام أي تمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وهو ما يجعل مليشيات الحوثي مسؤولة مباشرة عن قتل هؤلاء النساء، جراء سياساتها العسكرية غير المنضبطة واستخدامها القوة دون مراعاة لحياة المدنيين.

تترافق هذه الجرائم مع انتشار الألغام الأرضية والعبوات الناسفة المنتشرة على الطرقات وأماكن التجمعات، ما يزيد من الخطر على حياة النساء والأطفال بشكل يومي.

هذه الألغام التي زرعت في القرى والمزارع وحتى الأماكن القريبة من المدارس، تظل تهدد حياة المدنيين لفترات طويلة، ولا تزال تؤدي إلى إصابات وبتر أطراف للنساء والفتيات، في انتهاك واضح للمعايير الدولية التي تحظر استخدام الألغام ضد المدنيين.

الاعتقالات والتعذيب: سجون بلا أمل ولا عدالة

بعيداً عن العنف الميداني، يظهر جانب آخر من معاناة اليمنيات في مليشيات الحوثي الارهابية من خلال الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري في سجون سرية تدار خارج نطاق القانون أو الرقابة الدولية.

عشرات النساء والفتيات تعرضن للاختطاف من منازلهن أو أثناء تنقلهن، وتم احتجازهن بدون أوامر قضائية، وفي كثير من الأحيان دون إبلاغ ذويهن بمكان الاحتجاز أو التهم الموجّهة إليهن.

التوثيق الحقوقي يشير إلى أن الحالات التي تم فيها الاحتجاز لم يشهد لها ضمانات قانونية, ولا محاكمات عادلة، بينما تعرض المحتجَزات للتعذيب الجسدي والنفسي، والضغوط لانتزاع “اعترافات” تحت وطأة الإكراه والعنف.

وقد شملت التهم الموجهة إليهن، في العديد من القضايا، اتهامات جنائية وأخلاقية ملفقة تم ابتكارها بهدف تشويه السمعة وكسر الإرادة، ومنع أي صوت نسوي من الارتفاع ضد المليشيا.

إضافة إلى ذلك، تظهر شهادات أسر النساء المحتجزات أن المعلومات المتعلقة بمصير بناتهن أو زوجاتهن تظل مجهولة لأسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، ما يضيف طبقة من المعاناة لأسر بأكملها تعيش في حالة انتظار دائم.

ويتحول الإخفاء القسري بهذه الطريقة إلى أداة ضغط نفسي واجتماعي تُستخدم بشكل ممنهج لإرهاب المجتمع وإجباره على الخضوع.

التمييز في الحياة اليومية: قيود مطلقة على الحقوق الأساسية

لا تقتصر ممارسات الحوثيين على العنف المباشر، بل تشمل سياسات رسمية متجذرة لتقييد حرية المرأة في التنقل، الدراسة، العمل، وحتى الوصول إلى الخدمات الصحية.

وفق تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، تفرض السلطات الحوثية متطلبات صارمة للحصول على ترخيص بالسفر أو التنقل، تشمل الحاجة إلى محرم أو موافقة ولي أمر، ما يجعل المرأة عاجزة عن اتخاذ قرارات أساسية في حياتها اليومية دون إذن مكتوب.

هذه القيود تؤثر بشكل مباشر على حق المرأة في التعليم والعمل، إذ تمنع العديد من النساء من الالتحاق بالجامعات أو مدارسهن، أو من مواصلة دراسة أعلى، كما تعيق وصولهن إلى أماكن العمل أو فرص التدريب المهني.

في مجتمع يعاني أصلاً من تفكك اقتصادي واجتماعي نتيجة الحرب، تصبح هذه القيود حاجزًا إضافيًا يمنع المرأة من الاعتماد على نفسها أو إعالة أسرتها.

في ظل نقص الخدمات الصحية، يلجأ الكثير من النساء إلى الاعتماد على الدعم العائلي، فيما لا تزال الحاجة إلى رعاية صحية متاحة وذات جودة عالية أمراً بعيد المنال في العديد من المناطق.

قيود الحركة تجعل الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية صعبًا، خاصة في حالات الطوارئ، مما أدى إلى تفاقم معدلات الوفيات بين النساء الحوامل والمرضعات والأطفال الصغار.

استهداف الناشطات والصحفيات: إسكات الأصوات الحرة

في سياق أكثر ظلاماً، استخدمت المليشيا أيضًا النظام القضائي كأداة لقمع أصوات النساء اللواتي تسعين للتعبير عن رأيهن أو الدفاع عن حقوقهن.

وقد تم توجيه اتهامات للعديد من الناشطات والصحفيات بنوايا سياسية أو بالتجسس، وأصدرت بحقهن أحكامًا جائرة، بما في ذلك أحكام بالإعدام في بعض الحالات، في استغلال صريح للقوة القضائية لإسكات أي صوت معارض.

هذه الممارسات تستهدف بشكل واضح النساء اللواتي يلعبن دورًا بارزًا في المجتمع المدني أو الإعلامي أو الحقوقي، ويعكس رغبة في حصر المجال العام فقط بالخطاب الموالي أو الخاضع لسيطرة الجماعة.

وقد قوبلت مثل هذه الأحكام وسياسات الترهيب بإدانة منظمات حقوقية دولية، بوصفها انتهاكًا صارخًا للحق في حرية التعبير والعدالة.

تكشف هذه الأحداث عن أن الانتهاكات تستهدف ليس فقط الأفراد، بل كل من تسعى إلى النهوض بحقوق النساء، أو التحدث باسمهن، أو الدفاع عن كرامتهن ووجودهن في المجتمع.

وتتحول بذلك السياسات القمعية إلى آلية لإفراغ الفضاء العام من أي صوت يريد أن يسهم في تغيير الواقع القائم.

التهجير ونقص الخدمات: عواقب إنسانية تتخطى القمع المباشر

في ظل استمرار الحرب، تتداخل الانتهاكات المباشرة مع أزمة إنسانية عميقة تهدد النساء بشكل غير مسبوق. يعيش ملايين اليمنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، في ظروف مأساوية من الحرمان الغذائي، ونقص الخدمات الأساسية كالمياه النظيفة، التعليم، الرعاية الصحية، دون أن تتاح لهن فرص حقيقية للتعافي أو التحسن.

سياسات الحوثيين في تقييد الوصول إلى المساعدات الإنسانية، والاستيلاء على موارد الإغاثة، تضيف طبقة إضافية من المعاناة للنساء، وتزيد من الفقر والهشاشة الاجتماعية.

وفي ظل نقص فرص العمل وعدم وجود بيئة آمنة للاستثمار في القدرات النسائية، تظل المرأة أكثر الفئات تأثرًا بالأزمة الاقتصادية، وأكثر عرضة للفقر والعنف الأسري والاعتماد الكامل على الآخرين.

كما أن موجات النزوح من مناطق الصراع إلى أخرى تحت سيطرة الانقلاب الحوثي غالباً ما تضع النساء في مواجهة مخاطر جديدة، سواء بسبب عدم توفر ملاذات آمنة أو خدمات اجتماعية ودعم نفسي، أو بسبب انقطاع سبل التعليم لأطفالهن، مما يُفقد أجيالاً كاملة فرص التعلم والتطور.

نداءات حقوقية للمجتمع الدولي: حماية النساء ومحاسبة الانتهاكات

على الصعيد الدولي، دعت منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش ومنظمات محلية يمنية، إلى الضغط على مليشيات الحوثي لوقف الانتهاكات ضد النساء، والسماح بالتحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات المنهجية، وتوفير الحماية القانونية والمدنية للنساء في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا.

تؤكد هذه النداءات على ضرورة التحرك الفوري لإنهاء سياسات التمييز والعنف وإعادة بناء بيئة تضمن حرية الحركة، وضمان الوصول إلى التعليم والعمل والرعاية الصحية دون قيود. وتدعو المجتمع الدولي إلى إطلاق سراح مئات النساء المعتقلات في سجون سلطة الانقلاب الحوثي مع وضع آليات محاسبة واضحة، تشمل فرض عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات، وتنفيذ تحقيقات مستقلة عبر جهات حقوقية دولية.

هذه المطالب لا تنبع فقط من الالتزام بحقوق الإنسان، بل أيضًا من الاعتراف بأن الاستقرار في اليمن لن يتحقق بدون ضمان كامل لحقوق النساء وإشراكهن في عمليات السلام وإعادة الإعمار.

يوم عالمي للمرأة… لكن المأساة مستمرة

في اليوم العالمي للمرأة، يبدو الاحتفال في اليمن مختلفًا عن بقية الدول.

فهو لا يتزامن مع نداءات للفرح أو الاحتفاء بالإنجازات فحسب، بل مع صرخة مستمرة ضد الانتهاكات القمعية التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق اليمنيات منذ أكثر من عقد.

ما عاشته المرأة اليمنية من قتل، وإصابات، واعتقالات، وتعذيب، وقيود اجتماعية، وتجريد من حقوق أساسية يجعل من كل يوم عالمي للمرأة فرصة لتذكير العالم بأن الحرية والمساواة لا تزالان بعيدتين في ظل القمع الحوثي.

إن ما تواجهه المرأة في اليمن اليوم هو أكثر من مجرد تداعيات الحرب، إنه مأساة ممنهجة تستدعي وقفة حقيقية من المجتمع الدولي، ومن كل القوى الحقوقية والإنسانية، لضمان حماية النساء، ومحاسبة من ارتكبوا هذه الانتهاكات، وتوفير مستقبل يضمن لليمنيات حياة كريمة تتحقق فيها الحرية والكرامة والمساواة.