الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تكشف خفايا الصراع الإقليمي.. سيناريوهات التصعيد ومصير حزب الله والحوثيين

مع دخول المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى يومها الثالث عشر، تتكشف تدريجياً ملامح صراع يتجاوز حدود الضربات العسكرية التقليدية، ليكشف شبكة معقدة من الحسابات الاستراتيجية والصراعات الإقليمية التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

فما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل صراع عميق بين مشروعين متناقضين في المنطقة؛ مشروع تسعى من خلاله طهران إلى تثبيت نفوذها عبر شبكة من الحلفاء المسلحين، ومشروع آخر تقوده واشنطن وتل أبيب يهدف إلى كبح هذا النفوذ وتقليص قدراته العسكرية.

وسط هذا المشهد المضطرب، تتجه الأنظار إلى مستقبل الجماعات المرتبطة بإيران في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان ومليشيات الحوثي في اليمن، باعتبارهما من أهم أدوات طهران في إدارة الصراع الإقليمي.

بدايات المواجهة: الضربات التي كسرت قواعد الاشتباك

تشير المعطيات العسكرية إلى أن بداية التصعيد الحالي لم تكن وليدة لحظة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من التوترات والعمليات العسكرية السرية بين إيران وإسرائيل خلال الفترة الماضية.

فقد شهدت المنطقة سلسلة عمليات استهداف لمنشآت عسكرية ومراكز أبحاث مرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني، إضافة إلى عمليات اغتيال لشخصيات عسكرية وعلمية بارزة.

لكن التطور اللافت في هذه الجولة من الصراع يتمثل في انتقال المواجهة من حرب الظل إلى مرحلة الضربات العسكرية المباشرة.

في هذا السياق، لعبت القدرات الاستخباراتية المتقدمة لكل من الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي دوراً محورياً في توجيه ضربات دقيقة استهدفت بنى عسكرية حساسة داخل إيران واستهداف قيادات في الصف الأول للنظام والحرس الثوري الإيراني على رأسهم علي خامنئي أو ضربات عسكرية دقيقة مرتبطة بمصالح واذرع للنظام الإيراني في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

مصادر عسكرية غربية تشير إلى أن هذه العمليات اعتمدت بشكل كبير على معلومات استخباراتية دقيقة وتقنيات مراقبة متطورة، ما سمح بتنفيذ ضربات محددة ودقيقة.

شبكة النفوذ الإيراني تحت الاختبار

طوال العقدين الماضيين، اعتمدت إيران على استراتيجية بناء شبكة نفوذ إقليمية تقوم على دعم جماعات إرهابية مسلحة حليفة في عدة دول عربية. هذه الشبكة وفرت لطهران القدرة على إدارة الصراع مع خصومها من خارج حدودها الجغرافية.

غير أن التطورات الأخيرة وضعت هذه الشبكة تحت اختبار غير مسبوق، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها إيران داخلياً وخارجياً.

في لبنان، يمثل حزب الله الركيزة الأساسية للمشروع الإيراني في شرق المتوسط، إذ يمتلك ترسانة صاروخية كبيرة وقدرات قتالية متقدمة اكتسبها خلال سنوات من القتال في سوريا، الا انه وبعد الاطاحة بحسن نصر الله وما تلا ذلك من استهداف لحزب الله ومقدراته والضربات الإسرائيلية الاخيرة مع توجه الحكومة اللبنانية المطالبة بتسليم حزب الله للسلاح كل ذلك فاقم من الضغوط الكبيرة على النظام الايراني وحزب الله.

مع فتح جبهة واسعة مع إسرائيل قد يعرض لبنان لدمار كبير، وهو ما يجعل قرار الدخول في الحرب الشاملة مسألة شديدة التعقيد بالنسبة للحزب.

أما في اليمن، فتبرز مليشيات الحوثي كأحد أبرز الفاعلين في معادلة الصراع الإقليمي، خاصة بعد تحول البحر الأحمر إلى ساحة توتر عسكري نتيجة الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية وممرات الملاحة الدولية سابقاً.

ويرى محللون أن الدور الذي تلعبه المليشيا الحوثية في هذه المرحلة قد يكون جزءاً من استراتيجية الضغط غير المباشر التي تستخدمها طهران في مواجهة خصومها، حتي وان لم تقم مليشيات الحوثي بالتصعيد العسكري الفعلي حيث اكتفت بالتصعيد الاعلامي فقط.

الحرب الاستخباراتية… الوجه الخفي للصراع

إلى جانب المواجهة العسكرية، تدور حرب استخباراتية معقدة بين الأطراف المتصارعة، تشمل عمليات اختراق إلكتروني وعمليات تجسس وتخريب للبنية العسكرية والاقتصادية.

التقارير الأمنية تشير إلى أن هذه الحرب الخفية قد تكون أكثر تأثيراً من الضربات العسكرية المباشرة، إذ تستهدف شل قدرات الخصم دون الحاجة إلى مواجهة تقليدية واسعة.

كما أن استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة بات يمثل أحد أبرز ملامح هذا الصراع، حيث أصبحت هذه الأسلحة أداة رئيسية في تنفيذ الهجمات السريعة والمباغتة.

الممرات البحرية في قلب الصراع

يشكل أمن الملاحة الدولية في الخليج العربي والبحر الأحمر أحد أهم أبعاد هذه المواجهة. فهذه الممرات تعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.. وأي تصعيد عسكري واسع في هذه المناطق قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بمتابعة تطورات الصراع.

ورغم الاستهداف الايراني للقواعد الامريكية في عدد من دول المنطقة الا أن وجود قواعد عسكرية أمريكية في تلكم الدول يمنح واشنطن قدرة كبيرة على التدخل السريع في حال توسعت رقعة الحرب.

سيناريوهات المرحلة القادمة

المراقبون يرون أن المرحلة المقبلة قد تتجه في أحد مسارين رئيسيين.

المسار الأول، يتمثل في بقاء المواجهة ضمن حدود الضربات المتبادلة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وهو السيناريو الذي تسعى إليه العديد من القوى الدولية لتجنب تداعيات كارثية على الاستقرار العالمي.

أما المسار الثاني فيقوم على احتمال توسع المواجهة لتشمل عدة جبهات في وقت واحد، ما قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق تشمل لبنان والعراق واليمن وربما مناطق أخرى.

شرق أوسط جديد أم فوضى مفتوحة؟

في ظل هذه التطورات، يطرح كثير من المراقبين سؤالاً جوهرياً حول مستقبل التوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. فإذا أدت هذه المواجهة إلى إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، فقد نشهد إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية وظهور معادلات قوة جديدة.

أما إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل الأمد، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة من عدم الاستقرار المزمن، تتداخل فيها الأزمات العسكرية والاقتصادية والسياسية.

وبين هذين الاحتمالين، يبقى مصير العديد من الملفات الإقليمية معلقاً، في انتظار ما ستكشف عنه الأيام القادمة من مفاجآت في واحدة من أكثر المواجهات تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.