من موسكو إلى بكين.. اليورانيوم الإيراني يبحث عن مستودع في ساحة الصراع الدولي
قالت صحيفة "ألجماينر" إن السؤال المحوري الذي واجه المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين خلال محاولات صياغة إطار لوقف إطلاق النار ظل يتمحور حول مصير اليورانيوم المخصب وآليات التحقق من التعامل معه. ففي عام 2015، كان الجواب واضحاً: روسيا.
وفي تحليل أعده المحلل السياسي أمين أيوب، أوضحت الصحيفة أن طهران شحنت آنذاك مخزونها الفائض من اليورانيوم المخصب إلى موسكو بموجب ترتيبات الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، وهي ترتيبات استندت، وإن بصورة غير مكتملة، إلى منظومة متراكمة من اتفاقيات الحد من التسلح والتفاهمات التي نشأت خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ثم روسيا.
غير أن تلك المنظومة لم تعد قائمة بالشكل الذي كانت عليه. وتشير المعطيات المرتبطة بالجولة الحالية من المفاوضات إلى أن إيران تدرس خياراً أكثر حساسية يتمثل في نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى الصين.
ويرى التحليل أن المضي في هذا المسار لن يضع الولايات المتحدة أمام تحدي إدارة الملف النووي الإيراني فحسب، بل سيخلق أيضاً أزمة تحقق جديدة بين واشنطن وبكين، في ظل غياب الأطر المؤسسية والخبرات السابقة والآليات الواضحة القادرة على التعامل مع مثل هذا الترتيب.
وبحسب التحليل، فإن الدوافع الجيوسياسية وراء طرح الصين كوجهة محتملة للمخزون الإيراني تبدو مفهومة.
فروسيا لم تعد شريكاً مقبولاً سياسياً في هذا الملف بعد الحرب في أوكرانيا، إذ يصعب على واشنطن التعويل على دولة تخضع لعقوبات واسعة وتواجه عزلة غربية متزايدة للاحتفاظ بمواد نووية شديدة الحساسية. ويكفي هذا العامل السياسي وحده، وفق الكاتب، لجعل العودة إلى النموذج السابق أمراً غير واقعي بالنسبة لأي إدارة أمريكية.
في المقابل، تقدم الصين نفسها باعتبارها طرفاً قادراً على أداء دور الوسيط أو الحاضن المحايد نسبياً. فقد عززت بكين حضورها في الملف النووي الإيراني بوصفها لاعباً مسؤولاً، وتمتلك في الوقت نفسه البنية التحتية اللازمة والعلاقات الوثيقة مع طهران، فضلاً عن مصلحة مباشرة في تجنب اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تهدد إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها. ومن هذا المنظور العملي، يبدو المقترح قابلاً للنقاش.
إلا أن التحليل يشير إلى أن هذه المقاربة تصطدم بسؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن التأكد مما سيحدث لتلك المواد النووية بعد انتقالها إلى الأراضي الصينية؟
فالعلاقات الأمريكية الصينية تفتقر إلى منظومة تحقق نووي ثنائية مماثلة لتلك التي نشأت بين واشنطن وموسكو. كما أن الاتفاقيات التي أرست قواعد التفتيش والرقابة المتبادلة خلال العقود الماضية، مثل معاهدة السماوات المفتوحة ومعاهدة القوات النووية متوسطة المدى وآليات الحد من الأسلحة الاستراتيجية، لا توفر نموذجاً يمكن تطبيقه بين الولايات المتحدة والصين.
وبدلاً من ذلك، تحكم العلاقة بين القوتين أجواء من التنافس الاستراتيجي المتصاعد، تشمل الخلافات حول التكنولوجيا المتقدمة، والقيود المفروضة على صادرات أشباه الموصلات، والاتهامات المتبادلة بالتجسس وسرقة الملكية الفكرية، ما يجعل أي وصول خارجي إلى منشآت حساسة مسألة شديدة التعقيد.
فجوة جوهرية
ويحذر التحليل من أن هذا الواقع يخلق فجوة جوهرية في أي نظام تحقق يمكن أن يرافق نقل اليورانيوم الإيراني إلى الصين. فبينما تستطيع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة عملية النقل والتخزين الأولي نظرياً، فإن قدرتها على متابعة مصير المواد على المدى الطويل تبقى مرتبطة بمدى تعاون الدولة المضيفة، وهو أمر لم تختبره الوكالة في الصين بالصيغة التي تتطلبها مثل هذه الترتيبات.
ويضيف، أن عمليات التخفيف أو إعادة المعالجة يمكن نظرياً عكسها، كما يمكن إعادة توزيع المواد أو نقلها إلى مواقع أخرى، الأمر الذي يجعل أي ضمانات أمريكية بشأن تحييد هذه الكميات من اليورانيوم معتمدة إلى حد كبير على الثقة في التزامات بكين، ما لم تتوافر آليات تفتيش مستمرة وحقوق دخول متكررة ومفاجئة إلى المنشآت ذات الصلة.
ولفت التحليل إلى تحدٍ إضافي يواجه أجهزة الاستخبارات الغربية. فمحاولات التحقق المستقلة من وجود اليورانيوم الإيراني داخل منشآت صينية قد تتحول بحد ذاتها إلى أزمة سياسية وأمنية.
فإذا سعت أجهزة استخبارات أمريكية أو إسرائيلية إلى جمع معلومات مباشرة حول مواقع التخزين، فمن المرجح أن تعتبر بكين ذلك نشاطاً تجسسياً يستهدف بنيتها النووية السيادية. وتزداد حساسية المسألة في ظل احتمال وجود المواد الإيرانية بالقرب من منشآت مرتبطة ببرامج نووية عسكرية صينية، وهو ما قد يحول جهود مراقبة عدم الانتشار إلى مواجهة استخباراتية بين قوى نووية كبرى.
تنافس القوى الكبرى
ويرى التحليل أن إسرائيل قد تكون الطرف الأكثر قلقاً من هذا السيناريو. فمنذ سنوات تنظر الحكومات الإسرائيلية وقطاعات واسعة من النخبة السياسية الداعمة لها إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً وجودياً.
وإذا جرى التوصل إلى اتفاق ينقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى الصين، فإن إسرائيل ستكون مطالبة بقبول ترتيب يخفف ظاهرياً من الخطر المباشر، بينما تبقى المواد ذاتها تحت سيطرة قوة كبرى لا تربطها بها أي ترتيبات أمنية ملزمة.
وبحسب الكاتب، فإن هذا التطور لن يلغي معادلات الردع المرتبطة بالملف النووي الإيراني، بل سينقلها إلى مستوى جديد من التفاعلات بين الولايات المتحدة والصين وإسرائيل، بما يحول القضية من ملف شرق أوسطي إلى جزء من التنافس بين القوى الكبرى.
ويطرح التحليل أيضاً تساؤلات حول المكاسب التي قد تجنيها بكين من هذا الدور. فالصين، بحسب الكاتب، ليست طرفاً محايداً بالكامل في الملف النووي الإيراني، واستضافة مخزون من اليورانيوم المخصب قد تمنحها نفوذاً إضافياً على كل من طهران وواشنطن، فضلاً عن دور دائم في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
ومن هذا المنطلق، يرى التحليل أن المقترح لا يقدم حلاً نهائياً لمعضلة التحقق بقدر ما يمنح الصين ورقة استراتيجية جديدة في توازنات القوى الدولية.
وخلص الكاتب في تحليله، إلى أن تعثر جهود إحياء الاتفاق النووي خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن ارتبط جزئياً بالخلافات حول ترتيبات التحقق والرقابة. ولذلك، فإن أي إطار جديد لوقف إطلاق النار أو التسوية النووية، بحسب التحليل، يجب ألا ينقل هذه المعضلة إلى طرف لا يخضع لالتزامات واضحة في هذا المجال. فإرسال اليورانيوم الإيراني إلى الصين، كما يؤكد الكاتب، لا ينهي الأزمة النووية، بل ينقلها إلى ساحة جديدة تفتقر إلى آليات الرقابة التي اعتادت واشنطن الاعتماد عليها.