جاسوس إسرائيلي يعترف: شجعنا نظريات المؤامرة المعادية للسامية (ترجمة)

الكتب التي يؤلفها القادة العسكريون والسياسيون السابقون كثيرًا ما تكون مملة وتخدم مصالحهم الذاتية؛ فهؤلاء القادة مهووسون بتأمين إرثهم الخاص، وإثبات كيف كانوا محقين بشأن بعض الخلافات منذ فترة طويلة. إنّ مثل هذه الكتب نادرًا ما توضح الحقائق للقارئ.

ومع ذلك، ثمة كتاب واحد سوف أحمل نفسي على قراءته، وهو كتاب “المحيط” للجاسوس الإسرائيلي السابق يوسي ألفير. وسط الملل الذي أشعر به في هذه الأمور الدعائية التافهة، هناك أحيانًا شذرات من نفاذ البصيرة التي تتكشف عن غير قصد.

ألفير هو ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية، وكتابه “المحيط” الذي صدر في وقت سابق من هذا العام، هو سرديته الخاصة لسنوات من الجهود الإسرائيلية اليائسة لحلفاء هي مبعدة عنهم بطبيعتها في المنطقة؛ نظرًا لسجلها الطويل من العدوان العسكري ضد الدول المجاورة، والاحتلال الذي استمر 67 عامًا ونزع ملكية الأراضي من الشعب الفلسطيني.

بحثت استراتيجية هذا الكتاب بعمق عن الحلفاء في الدول والأقليات التي تعتبر خارج التيار العربي أو الإسلامي في المنطقة. وسعى جواسيس إسرائيل إلى إقامة تحالفات مع الأكراد في شمال العراق، ومع تركيا، في ذروة السلطة السياسية والعسكرية هناك، ومع إيران، في ظل دكتاتورية الشاه.

وكان هناك تحالف آخر مع المسيحيين الموارنة في لبنان. مثل هذه الخطط لديها تاريخ طويل وموثق بشكل جيد، يعود إلى عام 1954 عندما وضع ديفيد بن غوريون خططًا لغزو لبنان وفرض “دولة مسيحية” على البلاد، وذلك وفقًا لمذكرات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق موشيه شاريت. الخطة لم تنجح تمامًا، ولكن تاريخ تحالف إسرائيل مع الجناح اليميني والميليشيات اللبنانية المسيحية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي هي مسألة معروفة للجميع. ولتدمير منظمة التحرير الفلسطينية، لم تغز إسرائيل لبنان في عام 1982، وفرضت زعيم حزب الكتائب بشير الجميل كرئيس دمية لفترة قصيرة.

ومع ذلك، فشلت خطط إسرائيل لإيجاد حلفاء لها، وتم اغتيال الجميل بعد وقت قصير من فرضه رئيسًا للبلاد. وأُطيح بالشاه قبل الثورة وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران.

ومن المفارقات اليوم أنّ الحليف الرئيس لإسرائيل في المنطقة هو النظام السعودي، الذي يقع في قلب العالم العربي. بالرغم من أنّ البلدين لا تجمع بينهما أيّة علاقات دبلوماسية رسمية؛ إلّا أنهما يعملان معًا لتدمير النفوذ الإيراني.

في مقابلة أُجريت معه مؤخرًا في الصحافة الإسرائيلية للترويج لكتابه ولمبدأ “المحيط”، ألقى ألفير بيانًا معبّرًا وكشف عن الكثير من الأمور.

وسعى ألفير إلى إقامة علاقات مع بعض الأنظمة المعادية للديمقراطية في المنطقة، وقال: “كنا نعلم أن قضية بروتوكولات حكماء صهيون تلعب دورًا هامًا للغاية بالنسبة لهم. وعند درجة معينة، قمنا باستغلال هذه البطاقة حتى يعتقدوا أننا لدينا تأثير هائل على جميع أنحاء العالم، ويمكننا التلاعب بسياسة الولايات المتحدة في صالحهم. المغاربة، والإيرانيون، والأتراك، وعيدي أمين، كانوا جميعًا على يقين من أن كلمة واحدة منا سوف تغيّر موقف واشنطن تجاههم“.

وبعبارة أخرى، شجّع الجواسيس والدبلوماسيون الإسرائيليون (على الرغم من المزاعم الدعائية بأنّهم حماة اليهود في العالم) نشر أكاذيب معاداة السامية سيئة السمعة لأسباب القوة السياسية الخاصة بهم.

ولإقناع بعض الأنظمة بأن لها تأثيرًا قويًا على الأمريكان، دعمت إسرائيل تصديق نظرية المؤامرة المعادية للسامية بأن اليهود يسيطرون على العالم (كما هو مبين في “البروتوكولات الصهيونية”).

إنّها تذكير آخر بأن الصهيونية هي في الواقع شكل من أشكال معاداة السامية. قد يبدو هذا غير بديهي لدولة تدّعي أنها “دولة يهودية”، ولكن هناك تاريخ طويل من القادة الصهاينة الذين أدلوا بتصريحات معادية للسامية، وشجعوا على الكراهية ضد اليهود، بما في ذلك آرثر روبين، وحتى تيودور هرتزل نفسه. هذا شيء أطلقتُ عليه اسم الصهيونية المعادية السامية.

لكنّ الأكثر من ذلك، كما لاحظ الباحثون الفلسطينيون مثل جوزيف مسعد، هو أنّ الفكرة الكامنة في قلب الصهيونية المعادية للسامية هي فكرة أنّ اليهود لا “ينتمون” إلى بلدانهم الأصلية (مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة) وأنّهم في الواقع كائنات “شرقية” غريبة عن الغرب، يحتاجون إلى “العودة” إلى “أرض إسرائيل” الأسطورية.

في أشكالها الأكثر تطرفًا، شملت الصهيونية تهديدات بفرض “تصفية المنفيّ” وهو أي يهودي لا يعيش في إسرائيل. كانت تلك هي كلمات الحاخام مئير كهانا، مؤسس رابطة الدفاع اليهودية وحركة كاخ (التي وصفها مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنّها منظمة إرهابية).

سيكون من مصلحة إسرائيل تقسيم المنطقة إلى دول طائفية، ومذهبية صغيرة، في حالة حرب مع بعضها البعض ومشغولة عن معارضة الاستعمار الإسرائيلي. هذا هو السبب في أن إسرائيل تشعل لهيب الحرب الأهلية في سوريا في الوقت الراهن، حتى إلى درجة مساعدة الجماعات المتمردة المتحالفة مع تنظيم القاعدة في سوريا.

لذلك؛ ليس من المفاجئ أن نعرف عن ترويج ألفير لمعاداة السامية في جميع أنحاء المنطقة. ربما في المرة القادمة يستغل نتنياهو أي مأساة تحدث أو يزعم أنّه يتحدث باسم اليهود.