رأي - رسالة من الدكتور سيف العسلي إلى عبد الملك الحوثي

وأنا أتأمل قصة نبي الله سليمان مع الملكة بلقيس في سورة النمل، رأيت أن أوجّه هذه الرسالة إلى قائد المسيرة القرآنية. معذرة إلى ربي ولعلهم يرجعون.. فمن وجهة نظري فإن ما يتعبد به أتباع حركة أنصار الله من ترديد ما يطلقون عليها "الصرخة" لا يرضي الله ولا يحقق لليمن أي مصلحة، ولا يفيد حتى أتباع الحركة. بل إنه يمكن القول إن الإصرار على ترديد الصرخة، بسبب أو بدون سبب، مضرٌ ومنكرٌ يجب النهي عنه.

فمن ناحية، فلم أستطع أن أدرك أي علاقة بين الصرخة ومبرراتها. فالإسلام له شعار وكان يمكن للحركة أن تختار شعاراً آخرَ أقل استفزازاً للداخل والخارج. ولكن إصرار الحركة على الاستمرار بالدعوة إلى ترديد الصرخة، وبدون قيود، على الرغم مما تلقته من نصائح وتوضيحات في هذا الأمر، لا يمكن تفسيره.

فمن يشن الحرب على اليمن، في الوقت الحاضر، هي السعودية. فهي التي جمعت حلفاءها معها. فلا يوجد لليمن أي عداوة مع الدول الأخرى. وإن كانت هذه الدول تتحمل بعض المسئولية لأنها وافقت السعودية على باطلها، فإن ما تتحمله السعودية لا يمكن أن يتساوى مع ما تتحمله الدول الأخرى. ومن ثمَّ فإن تحميل أمريكا وإسرائيل المسئولية الكبرى، إنما انعكاس مباشر لما تحمله الصرخة من عداء لهما.

فحتى قبل شنّ العدوان الخليجي والمدعوم أمريكاً؛ بسبب التحالف بين هذه الدول، فقد كانت حركة "أنصار الله" لا تفوت شاردة ولا واردة إلا وتحاول استفزاز أمريكا وإسرائيل. وقد يكون دعم كلٍ من أمريكا وإسرائيل للحرب ضد اليمن ناتجاً ـ ولو جزئياً ـ عن ذلك. أنا هنا لا أدافع عن إسرائيل وأمريكا.. ولكن، من وجهة نظري، فإن إدانة موقف كل من أمريكا والدول الغربية من موقفها المعادي لليمن والمحابي لدول الخليجي شيء، واستعدائها من خلال الصرخة والمواقف الأخرى شيء آخر.

هذا الكلام قد قلته لبعض أتباع حركة أنصار الله، ولم يجْدِ شيئاً، وبالتالي تكراره عبث. ولكن بعد تأملاتي في قصة نبي الله سليمان، وملكة سبأ تواردت إلى خاطري أفكار من القرآن، فأدرت أن ألخصلها وأرسلها إلى زعيم المسيرة القرآنية لعلها تكون مفيدة.

الملاحظة الأولى: أن الله تعالى في سورة النمل الأية (15) قد أوضح أنه قد أعطى كلاً من نبي الله داود، وسليمان، علماً ولكنه لم يعطهما كل العلم. ومن ثمّ فمن أعطي من العلم شيء، فلا ينبغي عليه أن يدعي أن الله قد أعطاه كل العلم، بل عليه أن يحمد الله على ذلك وأن يقول كما أمر الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، (وقلْ ربي زدني علماً). فالله لا يعطي علمه كله لشخص أو أسرة أو فئة، فيعطيه حتى الحيوانات "الهدد" وعباده العاديين، أي الذي أعطي علم الكتاب.

الملاحظة الثانية: أن الله قد أنعم على نبيه سليمان بأن أورثه دولة مستقرة بعد أبيه، فقد كان عليه أن يشكر الله على ذلك، كما تنبه إلى ذلك أخيراً، وأن يقول (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ). لا أن يقول (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ). وفي هذه الحالة ما كان ليحشر جنوده من الجن والإنس ويخرج ليبحث عن عدو خارجي ليقاتله استناداً إلى قوته العسكرية.

الملاحظة الثالثة: الله أرسل إلى نبيه سليمان آية، وهي أن أسمعه قول النمل التي نصحت أخواتها أن تدخل مسكنها حتى لا تتعرض للتحطيم خارجه. ذلك أن استعداء الخارجين بدون سبب قد يسبب الهلاك. لكن الدفاع عن النفس في الوطن أمر لا مفر منه. وفوراً لم يتردد نبي الله سليمان فقرر العودة إلى وطنه.

الملاحظة الرابعة: لأن نبي الله سليمان تراجع، فإن الله قد أكرمه بنصر ما بعده نصر وبدون أي تكلفة، بل إنه كان نصراً معنوياً ومكسباً مادياً في وقت واحد. فقد أوحى الله إلى الهدد أن يقوم باستطلاع المنطقة، وهذا ما لم يفعله نبي الله سليمان وبدون أمر من سليمان، ثم يعود بأخبار مذهلة لسليمان كان يمكن في حال تجاهلها أن توقعه بالخساران لأنه كان سيقع بالظلم وإن لم يدرك ذلك، والله لا ينصر الظالمين حتى ولو كانوا أنبياءه ـ حاشاهم ذلك. وقد رحم الله نبيه سليمان لأنه لم يكن يقصد الظلم، ولكنه لم يحرص على أن لا يقع فيه، ولم يبذل كل ما في وسعه من أجل ذلك. فهذه الدولة التي كان سيصطدم بها نبي الله سليمان كانت دولة قوية لا تقل قوة عنه. وفي هذه الحالة، لم يكن أمام شعبها إلا الدفاع عن النفس. لكن الدفاع الحقيقي يبدأ في تجنب المواجهة. (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).

الملاحظة الخامسة: فكما أن الله علم كلاً من داوود وسليمان فإن فضله قد شمل حتى الحيوانات، فعلمها ما لم يعلمهما. فتصرف الهدد في الاستطلاع وإيصال المعلومات الصحيحة ونصحه له، حتى ولو تعرض للأذى، درس كبير لكل من يحتقر الآخرين لأنهم ليسوا من عرقيته أو من جماعته أو من مذهبه.

الملاحظة السادسة: أن الله قد علم سليمان الشعار المناسب لمخاطبة من يحاول أن يدعوهم إلى الحق. فالرسل والمصلحون لا يكونون دعاة حرب، ولا يسعون إلى إذعان الآخرين، بل إلى هدايتهم، ولا إلى الحرب، بل إلى السلام، لا إلى العدوان بل إلى التعايش. لقد كان الشعار المناسب وهو (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).

الملاحظة السابعة: ينبغي عدم تزكية النفس، والغرور بالمواقف والاستهتار بالآخرين. ففي كل الأمم حكماء وسفهاء. فعلى الحكماء أن يخاطبوا الحكماء، والسفهاء قد يخاطبون السفهاء. فلايمكن القول إن العرب والمسلمين كلهم حكماء، وأن أمريكا وإسرائيل والغرب والعالم كلهم سفهاء. فقد كان على أنصار الله أن يخاطبوا الحكماء في العالم لا أن يعتبروا كل من يخالفهم سفيهاً ويخاطبونه على أساس ذلك. فليست الصرخة خطاباً للحكماء على الإطلاق.

الملاحظة الثامنة: وبهذا الشعار فإن نبي الله قد أثبت أنه لم يكن ينوي العدوان على هذه الأمة، أي أنه كان يحترم حقهم في العيش الكريم إذا هم قبلوا ذلك الحق له. ولذلك فقد كانت الوسائل السلمية لحل الخلاف ممكنة. ولذلك فإنه لم يقبل الهدية لأنه لو كان قبلها لدل ذلك على سوء النية وعلى مطامع غير مشروعة.

الملاحظة التاسعة: أن العلم هو أساس الانتصار وليس القوة. فمن أوتي علم الكتاب انتصر وتفوق على عفريت الجن. وبالتالي فإن الأخلاق هي القوة الحقيقية، وأي قوة بلا أخلاق هي شر محض. فقد استعد لاستقبالهم بما يملك من الحضارة والعمران والعدل والخُلق الحسن. فلم يبهرهم بالقوة، كما كان يمكن أن يفعل من قبل، ولكن بالعلم.

لقد ترتب على العلم والأخلاق الحسنة أن انتصر سليمان على ملكة سبأ وقومها، فلم يحاربوه، بل صادقوه وسلموا له. ولا شك أن ذلك فضل. ففي حال حدوث الحرب كان سيتضرر الجميع. إن الحرب والجهاد والتضحية ليس الطريقة المثلى لحل المشاكل.

أرجو أن تحظى هذه الملاحظات بالقدر الذي تستحقه من التأمل. وأن يتم الانتصار على الهوى والرجوع إلى الحق، فذلك خير من التمادي.
والله ولي الهداية والتوفيق.

 * المقال خاص لوكالة خبر
*وزير المالية الأسبق البروفيسور «سيف العسلي»

مقالات سابقة: