القضية التهامية.. الحاضرة في الواقع، الغائبة لدى السلطات
شعب مسالم.. يرفض المناطقية والتعصب القبلي وإراقة الدماء, عاش حراً أبياً لا يخضع سوى لقيمه وأخلاقه ومبادئه, طالب بحقوقه بصمت واستسلام, فانقضُّوا عليه وزرعوا أنيابهم بين وجنتيه, رفع راية الحقوق والحريات والعيش الكريم بكل حب وسلام ولم يقل سوى: عاشت تهامة حرة أبية, فانهالت عليه رصاصات غادرة لم تشهدها أي حرب.
وإذا كانت القضية الجنوبية أخذت موقعاً مهماً بين قضايا الوطن وقضيتهم وليدة الثلاثين عاماً, فالقضية التهامية قديمة قِدم الثورة والجمهورية، منذ أن شهدت مجزرة الزرانيق التي أُبيد فيها أكثر من 40 ألف شخص، بنيران حكم الإمامة قرصنة البر..
انطلاقة الحراك وظهور المارد الأسمر..
كثيرة هي التساؤلات عن الحراك التهامي القائم في الحديدة الذائع الصيت منذ أشهر, وأخذت وتيرته تتزايد يوماً بعد يوم, فالقضية حقوقية في المقام الأول, والحقوق أخذت أشكالاً عدة، منها:
_ زبيد: واحدة من أهم المعالم التاريخية في العالم زبيد العلم والعلماء, زبيد الحضارة, زبيد الزخرفة وفن النحت.. زبيد على شفى الخروج من قائمة التراث العالمي، بسبب موت الضمير الإنساني لدى المسؤولين عن ذلك... فأين هي حقوق أهالي زبيد؟؟
_بيت الفقيه: لم تشارك في الانتخابات الرئاسية منذ عهد الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي؛ لأنها اعتبرت مركز مقاومة لكل المظالم والاضطهاد الذي شهدته المنطقة.
_ مزارع جميشة: تعد أرضها من أخصب الأراضي الزراعية في اليمن؛ كونها تحتوي على أكثر من 30 بئراً, أصبحت منطقة قاحلة جرداء مهددة بالتصحر, وقد تم إلحاق الأضرار المادية والمعنوية بالمزارعين فيها, كما تم الاعتداء على الأراضي المزروعة بالأطقم العسكرية المسلحة وإرعاب المواطنين وإتلاف المحاصيل الزراعية التي تُقدر قيمتها بحوالى 4 ملايين ريال وبعد ذلك تم الاستيلاء على الأرض بأمر من قِبل بعض رجال الأعمال النافذين وقيادات عليا في الجيش.
_ منطقة العرج: تلك المنطقة التي أصبحت مستباحة للجميع, فمن لديه السلطة والنفوذ جاء ليهتك عرضها ويبسط على الأماكن المناسبة له بمساعدة إفراد الجيش والأمن ومسؤولين في الحكومة.
_قرية منظر "حرم المطار": المنطقة التي تبعد عن المطار مئات من الأمتار، وعندما تم توسيعه أُدخلت ضمن حرمه وضاعت حقوق أصحابها أدراج الرياح.
وغيرها من المناطق التي إذا ما وقفت عليها أخذت تحدثك عن نفسها, وعن سلاسل القهر التي تتعرض إليها. "أمراض وأوبئة" رغم ذلك كله، هناك من لايزال يحاول إخفاء القضية لغرض في نفس أصحاب النفوذ وإهانة أبناء تهامة الذين لا يجدون من البحر وصمبوقهم ، سوى قوت يومهم.
حينها ثار المارد الأسمر، من اجل المساواة ونبذ الظلم والإقصاء والتهميش، ليأتي من لم يرُق له الأمر ويحاول محو حقوقه وتغييب صوته وطمس قضيته, لان في ذلك مآرب أخرى, جاؤوا وهم يعتقدون أن دم المواطن اليمني البسيط وحقوقه أصبحت مستباحة.
لم تتوقف القضية عند الأراضي المنهوبة والمستباحة فقد أراد البعض أن تغيب القضية الرئيسية ليغيب صوت الحق عن شواطئ تهامة , ولكن سرعان ما بدأت معالم القضية تتفشى على مرأى ومسمع الجميع وأخذت مستنقعات المجاري والصرف الصحي تأخذ مساحات هائلة في شوارع المدينة مما أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية والرئوية وحمى الضنك والملاريا لجميع السكان الذين يقطنون في تلك المناطق.
الأطفال هناك لا يجدون مكاناً لممارسة حقهم في اللعب سوى تلك الأماكن القريبة من منازلهم، ليصبحوا ضحايا تلك الأوبئة.
لم تتوقف المشكلة عند ذلك الحد، بل طالت الشوارع العامة والرئيسية والأحياء التي تعتبر شبه مرموقة وراقية، بالنسبة لأناس بسطاء كما هو حال أهالي تهامة.
قرصنة البحر..
لبحر الحديدة وشواطئها حكاية أخرى، ولكنها تتصل مع سابقتها في البر في تعرضها للنهب واستقطاع مساحات من قبل نافذين في الدولة، يمتلكون السلطة والمال.
تمت السيطرة على بحر الحديدة وشواطئها على عدة مراحل:
قام مسؤول سابق كان يعمل رئيساً للميناء ببيع جزء من البحر التابع لحرم الميناء إلى جهات مختلفة وبيع آخرين لأراضي رأس كثيب، وبرغم صدور قرار رئاسي يقضي بإلغاء تلك الصفقة، إلا أنه لم يغير في الأمر شيئاً، فقد بِيعت تلك المناطق كوحدات سكنية وقُبض ثمنها وأعطيت وثائق لمن اشتراها , وعندما طالبت الحكومة، الأشخاص بإعادة الوثائق، رفضوا لأنهم قاطنون المساكن، منذ فترة طويلة، ومن الطبيعي أن يطالب أصحاب الحق بأموالهم، ولكن لا أحد يعلم أين ذهبت تلك الأموال.
هدر الثروات البحرية يقابله ضياع الحقوق
تتعرض الثروات البحرية في الحديدة لعملية جرف وتخريب بيئي لم تشهدها المحافظة من قبل.
وبحسب صيادين فإن بعض الشركات الأجنبية تقوم بعملية اصطياد في المياه الإقليمية اليمنية، في ظل صمت قوات خفر السواحل والجهات الرسمية.
وعند محاولة بعضهم، الدفاع عن الممتلكات الوطنية، واجهتهم قوات الأمن وخفر السواحل بالقمع الشديد.
ورغم مناشدات الاتحاد التعاوني والسمكي "سابقاً" للجهات الرسمية فقد تعرضت الثرة لتدمير هائل، خاصة بعد توقيع وزارة الثروة السمكية، اتفاقية مع أحد المستثمرين يُدعى "باقيس" تقضي بالسماح للشركات الأجنبية بالصيد والجرف البحري.
تسببت تلك الاتفاقية بصيد وجرف هائل للثروة مما أدى إلى ابتعاد الثروة السمكية عن ساحل تهامة وقربها من جيبوتي وإثيوبيا وغيرها من الدول المطلة على الجهة المقابلة من البحر الأحمر.
لتظهر قضية أخرى، إذ أن الصيادين وبمجرد محاولتهم الوصول إلى العمق البحري باتجاه بلدان القرن الأفريقي، تقوم قوات خفر السواحل في تلك البلدان، بالقبض عليهم واستخدامهم كـ أيدي عاملة تحت مسمى القهر والخضوع والاستسلام.
ممارسات كارثية، تسببت بضياع الثروة، التي تعتبر مصدر الدخل الوحيد لآلاف الأسر من الصيادين, ولا أحد يعلم إلى أين ستصل بهم الظروف إذا لم يتم تلافي المشكلة بالسرعة المطلوبة.
أرقام مخيفة..
تعتبر البطالة في محافظة الحديدة من أعلى النسب مقارنة ببقية محافظات الجمهورية، حيث يعيش ما نسبته 52% من الشباب، معظمهم يحملون الشهادات الجامعية وخريجو معاهد الحرف يعيشون بطالة مستشرية.
معظمهم يعملون على الدراجات النارية أو عربات بيع "الشبس" و"الفلافل"، وهم يحملون مؤهلات جامعية وخبرات عملية، بينما تذهب المناصب لأقرباء المسؤولين، من محافظات مختلفة، في ظل غياب تام للجهات الرسمية، المسؤولة عما تعيشه الحديدة.
يقول البعض منهم إن عملية التهميش التي يتعرضون لها سياسية بحتة، ويشيرون إلى أن أغلب المسؤولين، عند بدء الاضطرابات والأحداث التي شهدتها اليمن في العامين الماضيين، استغل الفرصة ليتخلى عن منصبه الوظيفي، ويمتهن قطع بطائق عضوية لأحزاب أخرى، لتتم مكافأته بمناصب إدارية عليا، ولتنتشر سياسة الإخطبوط والاستيلاء على الوظائف، باسم التقاسم والمحاصصة والوفاق.
تجد لسان حال المواطن التهامي البسيط يقول: "من حقي أن أعيش بكرامة"، فهل ستستمر الحكومة وأصحاب النفوذ بالتعامل مع أبنائها بسياسة البطش والاستبداد..؟ أم أن شيئاً سيحدث ويغير اتجاه عقارب الساعة إلى غير المألوف؟!