بوتين يعيد ناغورنو قره باغ إلى "عصر ستالين".. والأرمن يشعرون بالخذلان

توقفت الحرب في "ناغورنو قره باغ"، ولم يعد هناك بعد الآن أصواتٌ للمدافع أو هديرٌ للطائرات المسيّرة والحربية، والتي كانت قد سيطرت على أجواء إقليم القوقاز، على مدار شهرين مضيا.

اتفاقٌ مفاجئ و"مؤلم وصعب" في ذات الوقت بالنسبة لأرمينيا، أُعلن عنه في الساعات الماضية، ولم يكن ضمن دائرة التوقع، والتي كانت المؤشرات تقود فيها إلى تصعيدٍ كبير، لا هدوء وإنهاءٍ للحرب كما يفرض الآن على أرض الواقع.

من أرمينيا التي خرج منها الاتفاق، وفيما بعد على لسان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين يعود الزمن بالأرمن إلى الوراء، إلى 97 عاما مضت، خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، في عام 1923 حين كان إقليم "قره باغ" (جبل الغابة السوداء) ضمن الأراضي الأذربيجانية، بعد ضمه من قبل "جوزيف ستالين"، لتسيطر عليه فيما بعد أرمينيا في تسعينيات القرن الماضي، في أثناء انهيار الاتحاد السوفييتي، ما فجر نزاعاً استمر لسنوات وسنوات، كانت آخر شراراته، منذ أشهر.

وبحسب الجو العام الذي يخيّم على العاصمة الأرمينية "يريفان" فالرئيس الروسي يعيد من جديد بموجب الاتفاق الحالي عصر "ستالين" في إقليم القوقاز، وذلك بناءً على البنود التي عرضها الكرملين، والتي اعتبرتها أذربيجان ومن ورائها الحليف التركي "نصرا"، بينما وعلى الجانب المقابل اعتبرتها أرمينيا بشكل غير مباشر "هزيمة واستسلاما"، بغض النظر عن الأسباب والمبررات التي عرضها، رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان.

وما بين عصرين تدور التساؤلات عما تغيّر بعد 97 عاما؟، وبصورة أدق ما الذي تغيّر بعد شهرين من القتال المحتدم؟، بين القوات الأذربيجانية والقوات الأرمينية، وما الأسباب التي دفعت موسكو للتوقيع وإعلان هكذا اتفاق، والذي وبصورته العامة، أعطى مؤشرا على خذلان من قبل بوتين للساسة الأرمن، مقابل القبول بأنقرة كلاعب أساسي، له حضوره على أرض الواقع.

اختراق "مهم" لموسكو

وجاء في الاتفاق المعلن، منذ منتصف ليل أمس، أنه تم وقف كامل لإطلاق النار في "قره باغ"، اعتبارا من منتصف ليل 10 نوفمبر بتوقيت موسكو، كما توقف الجيشان الأذربيجاني والأرمني في مواقعهما. وتعهدت الأطراف، بتبادل أسرى الحرب.

ونص الاتفاق على أن تعيد أرمينيا منطقة "كيلبجار" إلى أذربيجان بحلول 15 نوفمبر، ومنطقة "لاتشين" بحلول 1 ديسمبر 2020، تاركة تحت سيطرتها ممر "لاتشين" بعرض خمسة كيلومترات، مما سيضمن ربط "كاراباخ" بأرمينيا. 

وفي الوقت نفسه، لا تنطبق هذه النقطة على مدينة "شوشة"، التي أعلنت باكو في وقت سابق السيطرة عليها، بالإضافة إلى ذلك وبحلول 20 نوفمبر يجب على يريفان تسليم "باكو" منطقة "أغدام"، وجزء من منطقة "غازاخ" الأذربيجانية.

وبموجب الاتفاق ستنتشر وحدة حفظ سلام روسية قوامها 1960 عسكريا، بأسلحتهم النارية مع 90 ناقلة جند مدرعة و 380 قطعة من المعدات الخاصة، على طول خط التماس في "كاراباخ" وعلى طول ممر "لاتشين".

كما ستنتشر القوة الروسية بالتزامن مع انسحاب الجيش الأرمني، وستقتصر مدة بقائها على خمس سنوات، مع التجديد التلقائي لفترات إضافية مدتها خمس سنوات، إذا لم يقرر أي من أطراف الاتفاقية الانسحاب منها، ومن أجل مراقبة تنفيذ الاتفاقات، سيتم نشر مركز حفظ السلام لمراقبة وقف إطلاق النار.

المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي، رائد جبر يقول في تصريحات لـ "موقع الحرة": "طبعا هناك نجاح كبير واختراق مهم لموسكو، فهي فرضت وجودا عسكريا دائما في المنطقة، وأعلنت أنها اللاعب الأساسي فيها".

ويضيف جبر، المقيم في العاصمة موسكو: "العنصر الأساسي الدافع للاتفاق هو التطورات الميدانية المتسارعة، وخشية موسكو من انهيار كامل لقوات أرمينيا، ما يعني تغييرات جيوسياسية واسعة في المنطقة".

وكانت أذربيجان قد أعلنت، في الخامس من الشهر الجاري السيطرة على مدينة "شوشة" الاستراتيجية في "قره باغ"، والتي تعتبر أكبر مدينة في الإقليم المتنازع عليه، وفي المقابل شهدت الجبهات الأرمينية تراجعا عسكريا كبيرا، في ظل حديث عن خسائر كبيرة تكبدتها بالعتاد والأرواح من مقاتليها.

ويوضح المحلل السياسي، رائد جبر أن ما شهده الميدان على الأرض "هزّ صورة باشينيان بقوة"، متوقعا أن "تطيحه التطورات أيضا في الأيام المقبلة، ولا سيما أنه انفتح على الغرب مؤخرا وكان يسعى للتخلص من الهيمنة الروسية".

وما إذا تم الاتفاق وطُبقت جميع بنوده سيكون بالفعل "اتفاق سلام تاريخيا"، وسيكون القوقاز أمام سابقة، حيث أنه وللمرة الأولى في خارطة ما بعد الحرب العالمية تتمكن دولة (أذربيجان) من استعادة أراضيها بعد 28 عاما من مفاوضات فاشلة، وبذلك يكون انتهى نزاع بدأت معاركه مع انهيار الاتحاد السوفييتي.

وفي آخر التطورات المتعلقة بتنفيذ بنود الاتفاق قالت وزارة الدفاع الروسية إن "قوات حفظ السلام" بدأت انتشارها على خطوط التماس في إقليم "قره باغ"، بالتزامن مع انسحاب القوات الأرمنية منه، وذلك بناء على اتفاق توصلت إليه موسكو وباكو ويريفان.

وأضافت "الدفاع الروسية" أن أول أربع طائرات من طراز "إيل-76" تحمل جنود "حفظ سلام" روس إلى منطقة النزاع أقلعت من مطار "أوليانوفسك-فوستوشني" (وسط روسيا)، وعلى متنها أفراد وحدة "حفظ السلام" ومركبات وناقلات الجنود المدرعة وعتاد.

الكلمة كانت للميدان

الاتفاق يصب بالدرجة الأولى في مصلحة أذربيجان، ولا يمكن تصنيفه إلا بـ"الهزيمة" لأرمينيا، ولاسيما أن "باكو" تمكنت من تحقيق كل مطالبها، وهو الأمر الذي استشعره الأرمن، ما دفعهم للخروج باحتجاجات في العاصمة "يريفان"، حيث تجمعوا أمام مبنى الحكومة، مرددين هتافات ضد "باشينيان"، كما كسروا زجاج النوافذ واقتحموا مبنى الحكومة، ووصل بعضهم إلى مكتب رئيس الوزراء الأرميني، وطالبوه بالاستقالة.

"هاكوب مقديس" محاضرٌ جامعي في "أكاديمية الإدارة العامة في جمهورية أرمينيا" اعتبر أن الاتفاق لم يكن مفاجئا، عارضا بذلك المحطات التي شهدها الميدان، والتي أوصلت الحال إلى ما هو عليه اليوم.

ويقول مقديس، الذي يقيم في العاصمة يريفان في تصريحات لـ "موقع الحرة" إن السلطات الأرمينية كانت قد أشارت في الخامس من نوفمبر الجاري أن القوات الأذربيجانية بدأت بهجومٍ عنيف، وكان على أكثر من خط جبهة، على طول خط التماس في "قره باغ".

ويشير مقديس إلى أن "الطرف الأذربيجاني لا يقاتل وحيداً، ويوجد وقائع على الأرض ... الطرف الأذري يقاتل بكامل عتاده وماله، ويسانده مرتزقة"، وجميع هذه العوامل دفعت إلى خروج سيطرة أرمينيا على الأرض.

وتعتبر السيطرة على مدينة "شوشة" الاستراتيجية المحطة الأبرز التي قادت إلى الاتفاق الحالي، بحسب مقديس، مؤكدا: "القرار ليس مفاجئا، وتم التباحث فيه لأكثر من 3 أيام من بداية الهجوم على شوشة، وصولا للاتفاق في ليل 9 من نوفمبر الحالي".

"اتفاق مؤلم وصعب" هكذا وصفه باشينيان، وبوجهة نظر مقديس فإنه لا يصب في مصلحة الأرمن ولو بنسبة 1 %، خاصة عندما نتكلم عن تكرار التاريخ إلى عام 1923 "عندما قام ستالين بإعطاء قطعة أرض إلى أذربيجان، ليعيد بوتين هذه القطعة من جديد، ويوقع على اتفاق إنهاء الحرب"، بحسب قوله.

وسيط وليس حليف؟

عند الحديث عن النزاع في العصر الحديث بين أذربيجان وأرمينيا، لا يمكن فصل تركيا وروسيا عن المشهد بشكل كامل، وبينما التزمت أنقرة بتعهداتها من دعم عسكري وسياسي للعاصمة باكو، وعلى مدار شهرين مضيا، إلا أن موسكو لم تكن "حليف صلب" بالنسبة إلى "يريفان"، بل على العكس، فإنها مسكت العصا من المنتصف، ولعبت دور الوسيط، أكثر من الحليف، وهو الأمر الذي فتح باب تساؤلات كثيرة، عن هذا المزاج، والذي يعتبر حالة فريدة في مناطق النزاعات التي تتدخل بها موسكو.

والشيء الذي لا يمكن نكرانه، وأثبتته الوقائع على الأرض هو أن أنقرة كان لها "الفضل الأكبر" بالنسبة لـ "باكو" في الحرب التي اندلعت شرارتها، منذ شهرين، ولعل الطائرات المسيرة التركية، والتي لم تغادر الأجواء خير دليلٍ على ذلك، حيث غيرت معادلة النزاع على الأرض بشكل أو بآخر لصالح الجانب الأذربيجاني.

ويرى المحاضر الجامعي "هاكوب مقديس" أن "الطرف الروسي كان حليف لأرمينيا، لكن حليفا كما في التسعينات".

ويوضح: "موسكو لديها الآن سياسة جديدة وهناك تطلعات للمنطقة بشكل مختلف، وكانت قد دخلت بمصالح مع دول الجوار، ومع تركيا ومع أذربيجان نفسها".

ويعتقد المحاضر الجامعي أن الطرف الروسي "يرى إردوغان كأول رئيس تركي يمكن التفاهم معه (...) ستنتشر قوات حفظ سلام تركية وروسية معا، ومصالح الروس هي أبعد من ذلك، وتفاهم مع الجانب الأرميني".

الأتراك لاعب أساسي برضى موسكو

من العاصمة "يريفان" إلى "باكو" في الطرف المقابل وإلى أنقرة أيضا يختلف طعم الاتفاق بشكل جذري، ويتحول من "استسلام" إلى نصرٍ، كان قد أعلن عنه رئيس أذربيجان، إلهام علييف ووزير الدفاع التركي، خلوصي آكار.

وبالتزامن مع وصول قوات "حفظ السلام" الروسية إلى خطوط التماس في "قره باغ"، تحدث الرئيسيان التركي والروسي رجب طيب إردوغان وفلاديمير بوتين في أول اتصال هاتفي، وركّزوا على التطورات المتعلقة بالاتفاق الذي تم التوصل إليه، كما ناقشا سبل التعاون لتحقيق الاستقرار، في تناغم قلّما تشهده مناطق النزاع التي دخل بها الطرفان، ولاسيما سوريا، التي يشهد شمالها تصعيدا بالقصف من جانب موسكو، يقابله سحب لنقاط المراقبة التركية من محيط محافظة إدلب، في مؤشرات على قرب صدام عسكري بين الطرفين، في الأيام المقبلة.

ويرى المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي، رائد جبر أن "أنقرة مستفيدة جدا" من الاتفاق، "وهي فضلا عن النصر العسكري لحليفتها باكو نجحت في تثبيت قدرتها على التدخل ودعم الحلفاء".

ويشير إلى أنه "هناك إقرار ضمني روسي بوجود تركيا كلاعب أساسي، وهو ما عبّر عنه علييف عندما أشار اليوم إلى تنسيق روسي- تركي لضمان الفصل ووقف النار، ضمن الشروط والخرائط الجديدة".

وبالعودة إلى بنود الاتفاق المعلن، فبينما يقول الكرملين الروسي إن قوات "حفظ السلام" ستكون فقط روسية، أشارت باكو إلى أن القوات ستكون مشتركة بين الروس والأتراك أيضا، وهي نقطة محط جدل لم تتضح تفاصيلها بشكل رسمي من جانب أنقرة حتى الآن.

ويوضح المحلل السياسي رائد جبر: "نص الاتفاق لم يتضمن إشارة إلى وجود تركي، لكنه أشار إلى تأسيس مركز لمراقبة الالتزام"، ولا يستبعد جبر أن تكون هناك بنود سرية أو اتفاق ضمني على الوجود التركي، لكن ليس في منطقة "قره باغ" بل على الأراضي الأذرية.

ولا ترغب موسكو بوجودٍ مباشر لتركيا في "قره باغ" نفسها، وهنا لا مجال لحديث عن صفقات، لأن جنوب القوقاز لا يقل أهمية عن سوريا بالنسبة إلى موسكو، ويضيف جبر: "في كل الأحوال هذا اتفاق الحد الأدنى الممكن، لتقليل خسائر محتملة، وتعزيز صورة روسيا كطرفٍ وحيد قادر على إيقاف الحرب".

خيار تفرضه الجغرافيا

من جانب آخر يرى المحلل السياسي المختص بالشأن التركي، محمود علوش، أن أذربيجان، وخلال المعارك الأخيرة استطاعت وبدعم تركي من تكريس واقع جديد في "قره باغ"، ولم يعد بالإمكان تجاوز هذا الأمر. 

ويضيف في تصريحات لـ "موقع الحرة": "استمرار المعارك كان سيزيد من خسائر أرمينيا عسكريا بعد سيطرة قوات باكو على مدينة شوشة الاستراتيجية، لذلك وجدت موسكو أن من مصلحتها ومصلحة حليفتها أرمينيا الدفع باتجاه إبرام اتفاق لإنهاء الحرب".

وحول السبب الذي دفع موسكو لتقديم هكذا "انتصار" للجانب التركي، يوضح علوش أن روسيا وعلى مدى الأسابيع الماضية "ظهرت في صورة ضعيفة وغير قادرة على التحكم بمسار الأوضاع في منطقة تُوصف بأنها حديقة خلفية لها، لذلك كان من شأن استمرار المعارك أن يضر بشكل كبير بصورة روسيا".

ومن جانب آخر يشير المحلل السياسي، المقيم في إسطنبول إلى أن بوتين له رؤية مختلفة، لذلك "وجد مصلحة في استيعاب الحالة التركية لإبعادها عن الغربيين، وتطورت الشراكة لتشمل مجالي السلاح والطاقة، ثم امتدت لليبيا وها هي تبرز اليوم في جنوب القوقاز ... أينما تكون روسيا تكون تركيا والعكس".

ويتزايد تشابك المصالح التركية الروسية وتُعاد معه صياغة ملامح بعض مناطق هذا العالم، وهذا يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق "براغماتية" إردوغان وبوتين لإدارته بأكبر المكاسب وأقل الأضرار، ويضيف علوش أن "التعايش هنا لم يعد قرارا سياسيا، بل أصبح خيارا حتميا تفرضه الجغرافيا المتشابكة في أكثر من مكان".