تزايد غير مسبوق لضحايا الأخطاء الطبية في مناطق سيطرة الحوثي
شهدت المدن والمناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا إيران الحوثية في الآونة الأخيرة تزايداً لافتاً وغير مسبوق لأعداد ضحايا الأخطاء الطبية والإهمال في المستشفيات الحكومية والأهلية، مما يعكس التدهور المريع للخدمات الصحية.
وعلى النقيض تماما منذ بدء الحرب قبل ثماني سنوات، ورغم الانتشار الملحوظ للمستشفيات الطبية الأهلية "التجارية"، كأكثر الاستثمارات الطبية المحلية تناميا في مناطق الحوثيين، ازداد الوضع الصحي تدهوراً عاما بعد آخر وأصبح أكثر سوءاً عن ما قبله، وانهارت خلالها المنظومة الصحية وشهدت تفشيا متسارعا لأكبر الأمراض والأوبئة وارتفعت فيها نسبة الأخطاء الطبية التي اسهم استمرار الحرب في فقدان الكثير من الاطباء والكوادر الصحية للقيم الإنسانية والأخلاقية.
اسباب تزايد الضحايا
ويعود ذلك لعدة أسباب أبرزها تأميم مليشيات الحوثي للمستشفيات الحكومية ورداءة خدماتها ومضاعفة الرسوم كونها لم تعد مجانية، ومغادرة اغلب الاطباء والكوادر اثر مصادرة المليشيا لرواتبهم والتحاقهم للعمل بمستشفيات أهلية وأخرى في الخارج، وموافقة قيادتي وزارة الصحة والمجلس الطبِّي بصنعاء على فتح عشرات المشافي الأهلية -يملك اغلبها قيادات ومستثمرون حوثيون- بشكل مخالف للقانون والتي اصبحت "مسالخ بشرية" مقابل مبالغ مالية باهظة، دون ان تنطبق عليها الشروط والمعايير الطبية، وامتلائها بأدعياء "مهنة الطب" التي لا تربطهم بها أي صلة، واغلبهم لا يحملون اي مؤهلات علمية ويملكون شهادات مزورة، علاوة على اسباب ثانوية اهمها التشخيص الطبي الخاطئ للمرض والإهمال واللامبالاة والاستهتار بعواقب وتبعات واعراض الأخطاء الطبية.
وخلال الشهر الجاري، رصدت وكالة خبر ثلاث حالات من ضحايا الأخطاء الطبية في محافظتي حجة وإب اللتين تتصدران أعلى نسبة في اعداد ضحايا هذه الظاهرة التي تصاعدت منذ انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة بصنعاء، وفقاً لمصادر طبية رغم التكتم الشديد من وزارة الصحة في صنعاء ورفضها الافصاح عن الإحصائية في سجلاتها الرسمية.
أخطاء طبية فادحة
وفي أحدث جرائم الأخطاء الطبية في محافظة حجة، أُدخل المواطن "عبده حسين كديش" طفلته الصغيرة "شهد" مستشفى أطباء بلا حدود في مديرية عبس بغرض علاجها من "الاسهال الشديد"، الذي ألم بها فقاموا بتنويمها، وتركيب فراشة مغذية ووخزها في احد الأوردة القريبة من العين، لكن والدها لم يكن مدركاً أن ابنته التي دخلت مشفى منظمة "بلا حدود" الفرنسية بعينين سليمتين ستخرج منه فاقدة احداهما بشكل نهائي نتيجة خطأ طبي فادح.
ولم يكتف اثنان من الصحيين في مستشفى "أطباء بلا حدود" بمديرية عبس بارتكاب هذه الجريمة، بل استغلا هلع والدها المسكين بالاحتيال عليه بصورة لا تمت للأخلاق والإنسانية بأي صلة بهدف إخفاء آثار جريمتهما فقاما بأخذ الأدوية وكل الأوراق التي قطعاها باسم الضحية "شهد" من عند والدها وجرداه من كل دليل يثبت أنها خرجت من المشفى بالإضافة لتحويلهما ابنته للعلاج إلى المستشفى السعودي بمدينة حجة والذي رفض قبولها بسبب أن أمر التحويل تم كتابته في ورقة عادية ليست رسمية وبدون ختم ولم تحول الى قسم "أطباء بلا حدود" بالمستشفى الجمهوري، وحين قدم والدها المقهور شكوى لمدير "أطباء بلا حدود" في المستشفى الجمهوري كان الرد عليه صادماً: "هل لديك دليل يثبت انها خرجت من مستشفى "أطباء بلا حدود" في مديرية عبس، وليش ما حولوها لعندنا".

وفي خطأ طبي مماثل، وقع قبل أيام، كادت الطفلة «أ، ن» ان تفقد احدى ذراعيها نتيجة عجز عاملات صحيات -تم توظيفهن حديثاً من قبل الحوثيين- ضمن الكادر الصحي للمستشفى الجمهوري في مدينة حجة، من وخز إبرة في وريد الدم بذراعها، ووفقاً لما اظهرته صورة، حصلت وكالة خبر على نسخة منها، فقد حولت العاملات ذراع الطفلة الى «حقل تجارب» مما أدى الى احتقانها وتغير لونها بشكل كلي وأصبحت غير قادرة على تحريكها بشكل كامل.
ويوم الثلاثاء الماضي، أسفر خطأ طبي قاتل في قسم التوليد بمستشفى القاعدة بمحافظة إب عن كسر رجلي واحدى ذراعي الطفلة "ايلان مالك" اثناء عملية الولادة التي اجريت لوالدتها بطريقة همجية ووحشية ونقلت الطفلة المولودة على اثر ذلك الى مستشفى جبلة والتي فارقت الحياة فور وصولها مع تدهور الحالة الصحية لوالدتها ودخولها مرحلة وصفت بـ"الخطرة".

الافلات من العقاب
وقبل عام ونصف تقريبا، أُدخل المواطن عبدالغني صالح عبدالمغني ولده "عبدالعزيز" «29 عاماً» المستشفى التخصصي الكائن في مدينة رداع بمحافظة البيضاء لإجراء عملية جراحية اثر تعرضه لطلقة نارية في رجله من قبل مسلح اثر خلاف نشب بينهما، لكنه لم يكن يدرك ان التضليل الدعائي الذي روج له مالكه وهو مستثمر حوثي يدعى الدكتور محمد علي حميد الدين والذي يلقب نفسه بـ"الشاطر" للمستشفى خلال افتتاحه وتسويق المليشيا بوسائل إعلامها له بوجود اقسام عديدة فيه ابرزها قسم جراحة العظام وادعاء مالكه باختيار افضل الاطباء بعناية فائقة لتقديم خدماته ليست الا مجرد أكاذيب، وكانت هذه المدة الطويلة بعد اجرائه العملية الجراحية لنجله كفيلة لكسر ثقته بهذا المستشفى وادارته -سيئة الصيت- بسبب عدم التئام عظام رجل نجله وتغيير الصورة النمطية التي كانت مرسومة في ذهنه عن المشفى منذ افتتاحه.
يقول والد الضحية بقهر وحرقة لمراسل وكالة خبر، لم يكتف مدير المشفى التخصصي الدكتور محمد حميد الدين "الشاطر" باخذ مبالغ طائلة كرسوم للعملية الجراحية الفاشلة التي التزم بها الجاني بعد حكم قبلي لتسببه في اصابة ولدي عبدالعزيز، بل ظل يكذب علينا طيلة 15 شهراً بأن ولدي "في تحسن مستمر" بينما الواقع يظهر لنا عكس ما يقوله وتجلى ذلك في عدم مقدرة "عبدالعزيز" المشي مترجلاً بشكل سليم وعدم التئامها بالإضافة إلى انحنائها، ولكنه لم ينتهِ عند ذلك الحد، فقد تسبب لنا بمشكلات كبيرة ما زالت حتى اليوم مع الجاني الذي رفض استكمال العلاج بذريعة ان ولدي "بخير" بحسب تقرير المستشفى.
ويختتم حديثه، لقد اضطررت لنقل ولدي إلى طبيب مختص بجراحة العظام في صنعاء لمعالجته على حسابي نظرا لرفض الجاني استكمال العلاج، وبدلاً من ان تقوم السلطة المحلية في البيضاء بمحاسبة الدكتور على الخطأ الطبي ومضاعفات العملية الجراحية وأقدم بكل بجاحة وبدون احساس بالذّنب على تقديم شكوى كيدية ضدي بمزاعم "التشهير" بشخصه وبالمشفى في ظل ثقته بافلاته من العقاب وعدم وجود قانون خاص يحمي المرضى من الأخطاء الطبية وعدم الاكتراث لنتائج مضاعفاتها الكارثية.
مطالبات مشروعة للضحايا
وتفتك الأخطاء الطبيّة بعشرات المرضى ولا تفرِّق بين شاب أو طفل او امرأة بشكل شهري في مختلف المُدن الخاضعة لسيطرة مليشيا إيران الحوثية وبعضها تتسبب في أمراض أخرى وآلالم ومضاعفات واستئصال اعضاء وإعاقات عدة وعلل ومخاطر قاتلة، وغالباً يمر مرتكبوها دون مُساءلة ويفلتون من العقاب، لأسباب تتعلق بعضها بتدنّي مستوى وعي المواطنين بحقوقهم، او التباطؤ والمماطلة في الانصاف من قبل القضاء، او إقدام المرضى وأقاربهم على توقيع إقرار خطيّ قبل إجراء أي عملية جراحية، بالقبول بنتائجها وعواقبها مهما كانت وخيمة وكارثية.
ويطالب ذوو ضحايا الأخطاء الطبية الجهات المعنية وجهاز القضاء سرعة إنصافهم والبت في قضاياهم المعلقة ومحاسبة ومعاقبة كل مرتكبي الجرائم بحق ضحايا المستشفيات الحكومية والاهلية بشكل عاجل، بهدف الحد من تزايد أعداد ضحايا الظاهرة، وتفعيل الرقابة والتحقيق في كل الشكاوى والحفاظ على حق المواطن الشخصي وجبر الضرر والتعويض العادل من قِبل قضاة متخصصين وارساء قيم العدالة، تفادياً للجوء الضحايا وأهاليهم لسلوك طُرق غير مشروعة للانتقام.