5 سنوات خذلان.. أهالي (دمت، قعطبة والحُشا) يطالبون بانسحاب جميع القوات من مناطقهم وتعويضهم وإعادة تطبيع الحياة

بعد 8 سنوات من تسويق "وهم تحرير صنعاء" لملايين اليمنيين الذين قبلوا العيش في ظل موجات النزوح والملاحقة وحملات الاختطاف والحرمان من الرواتب الحكومية، و5 سنوات على تسويق ذات الوهم بالنسبة لمحافظتي الضالع وإب (وسط اليمن)، تعالت اصوات المواطنين المطالبة بانسحاب جميع القوات المتمركزة على تخوم المنازل والمزارع وآبار المياه، في المناطق الواقعة على الحدود الإدارية للمحافظتين، بعد أن جعلت منها طوال هذه الفترة مناطق عسكرية مغلقة.

دفعت آلة الحرب المدمرة، بآلاف من العائلات القاطنة في القرى الواقعة على الحدود الإدارية لمحافظتي الضالع وإب (وسط اليمن)، نحو الهجرة القسرية، والبحث عن مآوى تحميها وأطفالها، بعض منها نجحت في ذلك، وأخرى احتضنتها أراض جرداء.

قالت عدد من العائلات النازحة من مناطق بيت الشرجي، حبيل العبدي، الخرازة، حجر، الفاخر، الجبارة، مريس، نجد القرين، العرفاف.. وغيرها من القرى والتجمعات السكنية بمديريات دمت، قعطبة والحُشا، إن الحرب انهكتها وقذفت بها إلى قعر المجاعة بعد أن كانت تجني أرباحا طائلة من محاصيل مزارع الحبوب ونبتة "القات"، والمحال التجارية في مراكز مدن هذه المناطق.

واكدت في حديثها لوكالة خبر، ان مئات المزارع أصيبت بالجفاف، وتوقف ضخ المياه في عديد من الابار، بعد أن اعلنتها قوات الطرفين، مليشيا الحوثي المدعومة إيرانياً من جهة، والقوات الحكومية والمشتركة المدعومة من التحالف العربي من جهة ثانية، مناطق عسكرية مغلقة.

واوضحت أن قوات الطرفين تمركزت منذ مطلع العام 2018م، على تخومها وفي مناطق رعي المواشي، ومحيط آبار المياه، منذ العام 2018م، وحولتها مناطق عسكرية، علاوة على إعلانها بين الحين والآخر، حالات حظر تجوال، اصابت الحياة بشلل تام.

وتمنع هذه القوات بشكل وبآخر وصول المواطنين إلى اغلب المزارع الأخرى والعمل فيها، وري محاصيلها والاهتمام بها لجني ثمارها، وتستهدف فرق قناصتها واسلحتها الرشاشة جميع المواطنين الذين يحاولون كسر هذا الحصار، بعد أن كانت هذا المزارع مصدر رزقهم الوحيد.

ودفعت هذه القيود بالالاف من الأسر إلى الهجرة القسرية، بينما تعرضت مئات عائلات أخرى لمضايقات وملاحقات، إمّا لرفضها الممارسات الحوثية، أو لانتماء احد أفرادها إلى صفوف المقاومة، والانتماء إلى المقاومة ليس بالضرورة أن يكون عسكريا، بل أيضاً السياسيين والاعلاميين والناشطين.

واكدت العديد من العائلات في المناطق سواء ً المهجّرة أو التي مازالت متواجدة، أنها قبلت على نفسها دفع ضريبة كبيرة في سبيل أن تتحرر البلاد من قبضة المليشيا الحوثية، التي تفرض عليهم جبايات واتاوات كبيرة، وتقوم باحراق العديد من مزارع المناوئين لها، معظمها في أودية الخرازة ومحيطها، وحملات الاعتقالات المتكررة وتلفيق تهما كيدية بحقهم. إلا أنه بعد مرور أكثر من 5 سنوات من خذلان قيادة التحالف العربي والحكومة الشرعية لهم، واستكمال تحرير البلاد، لم يعد منطقيا استمرار فرض هذا الحصار عليهم.

خذلان مبكّر

سياسة التحالف والحكومة اليمنية المعترف بها، اصابت المواطنين بمقتل. فالمناطق التي ظل أهلها يرقبون دخول هذه القوات فاتحة، وجدوا انفسهم لقمة صائغة بيد مليشيا الحوثي، يواجهون مصيرهم وحيدين.

زعامات قبلية من مناطق العود ومريس، قالت لـ"خبر"، أن هذا الخذلان، ظهر جليا منذ العام 2017م، ولأن الشعب اليمني ككل رافضا للحكم الكهنوتي العنصري، كان يختلف المبررات لهذه القوات قبل أن تختلقها هي لنفسها، إلى أن اوصدت -بنفسها- جميع الأبواب في وجهه.

واوضحت، في العام 2017م، كانت مدينة دمت مركز المديرية، تحت سيطرة القوات الحكومية، ومثلها مديرية قعطبة والحُشا، بكامل سلاسلها الجبلية الاستراتيجية، وكانت روح المقاومة تلعج بالمواطنين، وجميع يرقب التقدم أكثر باتجاه مديرية الرضمة شمالاً، للسيطرة على الخط الرابط بين (صنعاء وإب) في منطقة يريم، وهو ما يضمن قطع الامداد على المليشيا نحو تعز وإب، إلا أن خذلان التحالف والحكومة الشرعية غيّرت الموازين بتسليم دمت المدينة والانسحاب لأكثر من 20 كيلو متر إلى تخوم معسكر الصدرين في مريس، بعد أكثر من أسبوعين على خوض معارك هي الاعنف.

واضافت، "قيادة التحالف والحكومة قالت في حينها، إن الحرب كر وفر، وان الوجهة الأساسية لها هي العاصمة صنعاء. ونجحت فعلا بتخدير المواطن واخمدت رغبته بتعويض هذه القوات ما خسرته في هذه المناطق، إلى أن أوصلته لقناعة التوقف عند هذه النقطة".

استمرار هذه الرغبة لدى التحالف والحكومة، ادركته المليشيا الحوثية مبكرا، واستغلته لرفع معنويات عناصرها واستمرت في تحقيق مزيد من المكاسب الميدانية، بالتقدم في مناطق شمال وغرب مديرية الحُشا، الواقعة شرقي مديرية قعطبة، والأخيرة تحد مديرية دمت من الجهة الجنوبية.

وازدادت حدة الانتكاسة لدى المواطنين في مارس 2018م، مع بدء انهيارات مناطق مخلاف (العَود) ذات الاستراتيجية الكبيرة لامتدادها على حدود ثلاث مديريات هي: (دمت، قعطبة والشعر)، حتى وصلت قوات المليشيا الحوثية مدينة  قعطبة مركز المديرية الواقعة جنوبي دمت، وشرقي الحُشا، في الوقت نفسه كانت مشاركات سلاح جو التحالف محدودة بعضها اصابت منازل مواطنين مناوئين للحوثيين، (اعتبرها التحالف ضربات الخاطئة).

واشارت، إلى أنه لم يكن مقنعا أن يخسر تحالف دولي بهذا الحجم والإمكانات، من مليشيا محدودة التسليح، واعتبروها كبوة حصان. إلا أنها لم تكن كذلك -ايضا- حينما تكررت وبشكل أوسع في البيضاء، الجوف، مأرب وغيرها.

ورُغم ذلك تحمّل المواطنون والقبائل هذه النتائج، واستمروا بالاسناد معنويا وميدانيا، إلا أنه بعد 5 سنوات من الترنح عند ذات النقطة دون التقدم ولو كيلومتر واحد، بات من غير المنطقي بالنسبة لهم البقاء مهجّرين، تحت مزاعم وشعارات (السلام الزائف).

تعويضات

وطالب المهجّرون قسرا واهالي المناطق المحاصرة، بانسحاب جميع القوات إلى مناطق خالية من السكان والمزارع، بعد أن تجرعت مرارة النزوح والتهجير خلال العام 2018 فقط، أكثر من 3 آلاف اسرة، بينما تعيش آلاف الأسر الأخرى تحت قيود صارمة.

وشددوا على ضرورة انسحاب قوات الطرفين من تخوم المنازل والمزارع، وتطهير كامل مناطقهم من الالغام، والسماح بعودتهم بدون قيد او شرط، وتعويضهم عما لحق بهم من خسائر مادية ومعنوية لكامل هذه الفترة، وإعادة تطبيع الحياة إلى سابقها ليتسن لهم زراعة وبيع محاصيلهم.

العام المشؤوم

الرفض المجتمعي لنتائج ثمان سنوات، ظهر مدويا في جميع المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي. إلا أن ما ترفض فهمه قيادة التحالف والحكومة الشرعية القبول بهذا الانحسار، والاستمرار في المكابرة وتسويق الانتصارات الوهمية، تحت عناوين بارزة تختارها بحسب مقتضى كل فترة، وفي هذه المرة استخدمت لها "الملف الانساني".

واتخذت من نفس العام، هذا الملف سلعة في تسويقها الوهم لليمنيين، حينما وقفت حجرا عثرة في طريق انتصار، كان يمكن له أن يصنّف بالأكبر منذ بداية الحرب على الحوثيين، ويحقق مكاسب جمة للشعب، حينما أفشلت استكمال تحرير مدينة وميناء الحديدة، وتكبيله بإتفاق استوكهولم أواخر العام المشؤوم بالنسبة لليمنيين 2018م.

ومنذ لك الحين، ورواتب الموظفين المدنيين في مناطق سيطرة المليشيا موقوفة، رغم أن أبرز بنود هذا الاتفاق اشترطت صرفها من إيرادات ميناء الحديدة الذي شدد على أن تورّد إلى حساب مستقل في البنك المركزي اليمني فرع الحديدة، بالإضافة الى فتح الطرقات المغلقة في المحافظات في مقدمتها تعز، وتبادل شامل للأسرى في سجون الطرفين، ولكنه لم ينفذ اي منها حتى هذه اللحظة، التي قررت فيها قيادة التحالف العربي والحكومة اليمنية المعترف بها، الهرولة نحو الحوثيين والتنازل عن كامل المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا.

ويرى مراقبون، ان شتان بين الحربين "الفاشلة والخاسرة"، فالاولى يفرزها تضارب الأهداف والمصالح لدى الطرف الواحد، والاخرى يفرزها عدم التكافؤ في موازين القوى، عسكريا وبشريا واقتصاديا، والأخيرة جميع مقوماتها لصالح الطرف المناوئ لمليشيا الحوثي، إلا أن نتائجها جائت عكسية، وتعود في الغالب إلى تضارب الأهداف والمصالح، بحسب قولهم.