البذخ للحوثي.. والمعاناة لليمنيين

يأتي رمضان هذا العام ثقيلاً على صدور اليمنيين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، لا لأن الشهر فقد روحه، بل لأن الوطن أُفرغ من عدالته.

في زمنٍ يُفترض أن تتساوى فيه القلوب أمام موائد الرحمة، تتسع الهوة بين من يملكون القرار بالقوة، ومن يدفعون ثمنه قهراً؛ بين مليشيا مسلحة تُراكم الامتيازات باسم المسيرة، وشعبٍ يُراكم الديون باسم البقاء.

رمضان في صنعاء وإب والحديدة وغيرها لم يعد موسماً للتسوق، بل موسماً للقلق.

 الموظف بلا راتب منذ سنوات، والمعلم ينتظر حافزاً لا يكفي لشراء دقيق أسبوع، والأرملة، والأكاديمي، والعامل البسيط، وحتى العاطل عن العمل… الجميع يفتش عن سلة غذائية تحفظ ما تبقى من كرامة أطفاله من سؤال الجيران.

الأسعار ترتفع بلا رقيب، والجبايات تتكاثر بأسماء متعددة: دعم المجهود الحربي، الزكاة، المولد، المناسبات الطائفية، التبرعات الإلزامية… وكلها تُجبى من جيوب منهكة أصلاً.

في المقابل، لا تخطئ العين مظاهر البذخ في دوائر النفوذ الحوثي: سيارات حديثة، مواكب مسلحة، عقارات تُشترى نقداً، شركات تُمنح امتيازات احتكارية، وأراضٍ عامة تتحول إلى ملكيات خاصة.

اقتصادٌ موازٍ نشأ في الظل، تحكمه شبكة ولاءات لا كفاءة، وقرابة وسلالة لا قانون. 

لقد تحولت الدولة في مناطق سيطرة المليشيا إلى غنيمة، والمال العام إلى مورد خاص، والوظيفة إلى امتياز سلالي يُوزَّع وفق معيار الانتماء لا الاستحقاق.

ليس الحديث هنا عن فوارق معيشية عابرة، بل عن هندسة ممنهجة للثروة والسلطة.

تُدار الأسواق عبر احتكارات مغلقة، ويُعاد تشكيل الجهاز الإداري بإقصاء الكفاءات، ويُستخدم الخطاب الديني لتبرير الامتياز الطائفي والسلالي.

 وهكذا تُختزل الجمهورية في شعار، وتُختطف العدالة باسم الولاية، بينما يدفع المواطن ثمن الكهرباء المقطوعة، والماء الملوث، والدواء المفقود.

في ليالي رمضان، حين تُضاء المدن بالفوانيس، تبقى بيوت كثيرة بلا سراج.

أبٌ يحسب كلفة قطمة الأرز، وأمّ تؤجل شراء الدواء، وطالب يفكر في ترك المدرسة لأن أسرته لم تعد تحتمل المصاريف.

هذا ليس قدراً، بل نتيجة سياسات أفقرت المجتمع وأغنت دائرة ضيقة حول مركز القرار. وحين يُستبدل الراتب بالسلة، والوظيفة بالمنحة، والحق بالمكرمة، وتتحول المواطنة إلى تسول وإحسانٍ مشروط، ويتحول الحق إلى منّة.

الأخطر أن هذا البذخ لا يُمارس في الخفاء، بل يُستعرض. استعراض قوة ومال في زمن العوز، وكأن الرسالة الضمنية أن الفقر قدر العامة، والترف حكر الخاصة السلالية.

 لكن التاريخ يُعلّمنا أن المجتمعات لا تستقر على معادلة مختلة؛ فالكرامة حين تُستنزف تتحول إلى سؤال، والسؤال حين يُقمع يتكاثر.

رمضان ليس مناسبة للوعظ فقط، بل مرآة للضمير العام. وفي هذه المرآة يظهر التناقض صارخاً... شعبٌ يصوم عن لقمة لم يجدها، وسلطة مليشيا لا تصوم عن امتيازٍ لا تستحقه.

 وبين الصومين مسافة أخلاقية وسياسية شاسعة.

لقد وصل كثير من اليمنيين في مناطق سيطرة المليشيا إلى حالة من الرضوخ القسري، لا اقتناعاً، بل اضطراراً تحت وطأة الجوع والخوف وانسداد الأفق. ومع ذلك، فإن الحاجة لا تلغي الوعي، والصمت لا يعني الرضا.

اليمنيون لا يطلبون معجزات؛ يطلبون راتباً منتظماً، سوقاً عادلة، مؤسسات لا تُدار بالعصبية، وكرامة لا تُستباح بالجباية.

يطلبون دولة لا مليشيا، قانوناً لا سلالة، مواطنة لا ولاءً قسرياً.

وما لم تُردّ الحقوق إلى أصحابها، سيبقى رمضان شاهداً على مفارقة موجعة… بذخٌ للحوثي، ومعاناةٌ لليمنيين.