بعد انتكاسة أذرعها.. طهران تعيش في عزلة عربية وإسلامية تاريخية أمام الضربات الأمريكية والإسرائيلية

على مدى أكثر من أربعة عقود، انتهجت إيران سياسة إقليمية تقوم على توسيع نطاق نفوذها عبر دعم جماعات مسلحة حليفة في عدد من الدول العربية، تربطها بها وشائج أيديولوجية وسياسية، ما جعلها تعيش في عزلة عربية وإسلامية تاريخية متجددة أمام كل ضربة تتلقاها من خصومها، لا سيما التي تلقتها تباعاً الفترة الأخيرة من الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وبينما تقول طهران، إن هذا التوجه يندرج ضمن استراتيجية "مواجهة الوجود الأمريكي" في المنطقة، تؤكد حكومات عربية وغربية، وفوقها التحركات الواضحة الإيرانية أن تلك السياسة تمثل تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية للدول وانتهاكاً لسيادتها.

انتكاسة أذرع إيران 

وأوضح مراقبون لوكالة خبر، أن شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران تضم جماعات مسلحة بارزة، من بينها حزب الله في لبنان، ومليشيا الحوثي في اليمن، إضافة إلى فصائل مسلحة ضمن ما يُعرف بـ"الحشد الشعبي" في العراق. 

كما ارتبط نفوذ طهران لسنوات بالنظام السوري في عهد حافظ الأسد ثم نجله بشار الأسد، قبل سقوط الأخير في ديسمبر/كانون الأول 2024، وخروج طهران من المشهد خاسرة.

في حين تحدثت تقارير أممية ودولية عن دعم عسكري ومالي إيراني لتلك الجماعات، شمل –وفقاً لهذه التقارير– تقديم التدريب والخبرات التقنية في مجالات التسليح والتصنيع العسكري.

في العراق، تعزز النفوذ الإيراني عقب الغزو الأمريكي عام 2003، مع تصاعد دور الفصائل المسلحة الحليفة لطهران داخل المشهدين الأمني والسياسي. 

وفي لبنان، رسخ حزب الله حضوره كقوة عسكرية خارج إطار الدولة اللبنانية قبل أن يكون سياسية، رغم تعرضه لانتكاسات متلاحقة، كان أبرزها مقتل أمينه العام حسن نصر الله في سبتمبر/أيلول 2024 بغارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ما انعكس على توازناته الداخلية.

شعارات متعددة

أما في اليمن، فيعود ارتباط مليشيا الحوثي بإيران –وفق باحثين– إلى سنوات سابقة لاندلاع النزاع الحالي، ليست الحروب الست التي أعلنها في صعدة خلال الفترة 2004 وحتى 2010، سوى جزء من ذلك الارتباط، إلا أن هذا الارتباط برز بصورة أوضح بعد عام 2011. 

واستغلت مليشيا الحوثي حالة الفوضى السياسية التي شهدتها المنطقة في 2011 واليمن واحد منها، قبل أن تنفذ انقلاباً في 21 سبتمبر/أيلول 2014، أطاح بالحكومة المعترف بها دولياً، ودفع البلاد إلى حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، بحسب توصيفات أممية.

ومع كل جولة تفاوضية تقترب من تسوية محتملة، تتجدد التوترات الإقليمية، حيث تصاعدت الهجمات المنطلقة من مناطق سيطرة الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب تحت شعارات متعددة، بينها "نصرة غزة" عقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأدت هذه الهجمات إلى ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع وبنى تحتية في اليمن، بينها مطارات وموانئ ومنشآت صناعية، ما وسّع دائرة الصراع.

في سياق متصل، اتهمت الولايات المتحدة ودول عربية فيلق القدس، الذراع الخارجية لـ"الحرس الثوري" الإيراني، بإدارة عمليات خارجية وتقديم التدريب والتسليح لحلفاء طهران.

وكان القائد السابق للفيلق قاسم سليماني قد لعب دوراً محورياً في ترسيخ هذا النفوذ قبل مقتله في ضربة أمريكية قرب مطار بغداد مطلع عام 2020، في محطة شكلت تصعيداً حاداً بين واشنطن وطهران.

إلى ذلك، أعلنت مليشيا الحوثي (ذراع طهران في اليمن) في ديسمبر 2021 وفاة السفير الإيراني في صنعاء المحتلة بيد المليشيا وقائد عملياتها العسكرية ضد التحالف العربي الداعم للشرعية اليمنية، زاعمة أن حالة الوفاة كانت نتيجة إصابته بكورونا.

وبغض النظر عن صحة الرواية، فإن وجوده في صنعاء سفيراً وقائداً عسكرياً بدون موافقة الحكومة الشرعية إدانة بحد ذاتها.

استهداف منشآت مدنية وخدمية

إقليمياً، اتهمت طهران بالرد على هجمات أمريكية وإسرائيلية تعرضت لها فجر السبت، عبر استهدافها منشآت مدنية وخدمية في دول عربية، من بينها السعودية والإمارات والبحرين والأردن وقطر والكويت، بذريعة وجود قواعد عسكرية أمريكية، غير أن تلك الدول سبق ونفت السماح باستخدام أراضيها لشن عمليات ضد إيران، ووصفت الاستهدافات بأنها انتهاك للقانون الدولي ولسيادتها.

وقال عدد من السياسيين والأكاديميين في تلك الدول إن الهجمات تعكس درجة الحقد الطائفي تجاه الدول العربية، معللين ذلك بأنه حتى في حال انطلاق عمليات من قواعد عسكرية أمريكية موجودة في تلك البلدان، لا يبرر ذلك استهداف طهران لمنشآت مدنية وخدمية.

عزلة تاريخية

أما على الصعيد الداخلي، تواجه السلطات الإيرانية انتقادات حقوقية متكررة، حيث وثّقت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حالات اعتقال وقتل لمعارضين ونشطاء وصحفيين يطالبون بإسقاط النظام الذي تسبب بتجويعهم ونهب ثرواتهم، إضافة إلى استخدام القوة خلال احتجاجات شهدتها البلاد، لا سيما خلال الاعوام 2019 و2022 و2026.

بينما تصف الحكومة الإيرانية تلك الاحتجاجات بأنها "أعمال شغب مدعومة من الخارج"، وهو ما يعتبره حقوقيون وصحفيون إيرانيون هروبًا من المسؤولية وتبريراً للجرائم التي تُرتكب بحق المناوئين للنظام.

اقتصادياً، أسهمت العقوبات الدولية، إلى جانب سياسات داخلية مثيرة للجدل بينها نهب النظام للموارد وإنفاقها على التسليح ودعم أذرعه في المنطقة، في تفاقم الضغوط المعيشية، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع العملة المحلية. 

ويرى منتقدون أن توجيه موارد كبيرة إلى أنشطة خارجية يتم على حساب تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، وخلق عداءات خارجية واسعة جعلته يعيش في عزلة تاريخية أمام كل ضربة يتلقاها من الولايات المتحدة وإسرائيل، بما فيها الحالية.

وأمام رواية "مكافحة الإرهاب" التي تطرحها إيران، وتعميق الاستقطاب الطائفي، يبقى النفوذ الإيراني في المنطقة ملفاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تصعيد متبادل يهدد بمزيد من عدم الاستقرار، ودعوات دولية متكررة لإعادة صياغة علاقات إقليمية تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.