مع عودة الامطار.. مدينة إب تحت وطأة فساد المليشيا
مع كل موسم أمطار، تعود مدينة إب لتعيش مأساة السيول الجارفة التي تجرف المنازل والأرواح وتشل حركة الحياة اليومية في مختلف شوارع وأحياء المدينة، لتتكرر الكوارث وتتفاقم المخاطر في ظل واقع مؤسف يعزّز معاناة السكان ويزيد من خسائرهم في كل موسم مطري جديد.
في محافظة إب التي لطالما كانت مُعرّضة لتدفقات الأمطار الغزيرة بسبب موقعها الجغرافي والمناخي، تظهر السيول بشكل سنوي كخطر حقيقي على السكان بما يخلفه من وفاة وإصابات وشروخ اجتماعية واقتصادية مدمرة.
في ظل سيطرة مليشيا الحوثي على المحافظة وإدارتها لمؤسسات الدولة الحيوية، ومن بينها مكتب الأشغال العامة والطرق وصندوق النظافة والتحسين، لم تشهد الاستعدادات الحكومية لأي تطوير حقيقي أو إدارة فعّالة لمواجهة مخاطر السيول وحماية المواطنين، بينما تستمر الموارد المالية الضخمة التي تُجمع من خزينة المحافظة في التدفق نحو أولويات أخرى لا تخدم الاحتياجات الأساسية لحماية السكان.
المدينة التي لطالما عانت من تداعيات الأمطار الغزيرة على بنيتها التحتية والطرق وشبكات تصريف المياه، تجد نفسها في كل موسم أمطار أمام تحدي مزدوج… قوة الطبيعة وسقوط الأمطار من جهة، وتجاهل وعجز المؤسسات المحلية عن الاستجابة من جهة أخرى، ما يجعل الأزمة أكثر تراكماً وتفاقماً مع مرور السنوات.
الوضع المناخي والجغرافي لمدينة إب
تقع مدينة إب في قلب اليمن، وتتميّز بمناخها الجبلي الذي يجلب أمطاراً غزيرة بشكل سنوي.
خلال مواسم الأمطار، تتحول الأودية والشعاب المنتشرة داخل وخارج المدينة إلى مسارات جارفة تحمل معها كميات هائلة من المياه، وتتدفق بسرعة نحو الأحياء السكنية والطرق الحيوية، ما يؤدي إلى انهيار البنية التحتية القديمة وضعف شبكات تصريف المياه.
هذه الطبيعة المناخية تتطلب وجود خطط وقائية حصيفة وجهوداً حكومية مدروسة، إلا أن الواقع على الأرض يكشف عن غياب شبه كامل لهذه الاستعدادات، مما يزيد من تعرض السكان للخطر في كل موسم.
شبكات تصريف المياه في المدينة تكاد تكون معدومة في كثير من المناطق، أو لم تجري صيانتها منذ سنوات، فيما تم بناء أحياء سكنية بالقرب من مسارات السيول القديمة دون وجود أنظمة حماية أو حواجز توجيه للمياه.
هذه الحالة تجعل المدينة معرضة بشكل مباشر ودائم لخطر السيول، وتحول الساعات الأولى للغزارة المطرية إلى لحظات مصيرية في حياة الكثير من الأسر.
تأثير سيطرة المليشيات على إدارة الكوارث
إن سيطرة مليشيا الحوثي على المحافظة جعلت المؤسسات الرسمية عاجزة عن استثمار الموارد المالية والبنية التحتية في خدمة السكان، فقد أصبحت هذه الموارد تُدار وفق أولويات تنظيمية وطرائق تمويل حوثي تُحوّل مركزياً إلى العاصمة المختطفة صنعاء لصالح أجندات حوثية، بينما تبقى احتياجات المواطنين تجاه السيول والطوارئ في أدنى سلم الأولويات.
مكتب الأشغال العامة والطرق وصندوق النظافة والتحسين، على الرغم من إيراداتهما الضخمة، لم يشهدا تنفيذ مشاريع حقيقية للتعامل مع مخاطر السيول أو لتحديث شبكات تصريف المياه داخل المدينة، وهو ما يعكس ضعفاً كبيراً في إدارة المخاطر والكوارث، ويزيد من هشاشة المجتمع أمام تأثيرات الأمطار الغزيرة، خصوصاً في أحياء طويلة الزمن ولم يتم تطويرها بشبكات تصريف حديثة.
غياب خطة وطنية أو محلية متكاملة لإدارة مخاطر السيول جعل المجتمع يعتمد غالباً على جهود فردية أو تطوعية، وهي جهود غير كافية لمنع الخسائر أو الحد من تدفق المياه في مساراتها الحيوية داخل المدينة.
تجارب السنوات السابقة أثبتت أن تجاهل السلطات المحلية لهذه القضية الحيوية يؤدي في كل موسم مطري إلى وقوع ضحايا وإلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية للمحافظة.
أضرار السيول في المواسم السابقة
على مدار السنوات الماضية، عرفت محافظة إب وعلى وجه الخصوص مدينة إب نفسها خسائر بشرية ومادية جسيمة بسبب الأمطار والسيول، وكان لكل موسم مطري تداعيات كارثية أثبتت الحاجة الماسة إلى حلول وتدخلات عاجلة:
في موسم 2024، خلفت السيول عدداً من الوفيات والإصابات داخل المدينة وفي محيطها، وكانت هناك تقارير عن وفاة أشخاص نتيجة تيارات المياه الجارفة، بالإضافة إلى فقدان مساكن لأسر نتيجة انهيارها أو غمرها بالمياه، ما أسفر عن نزوح مؤقت لسكانها وتضرر ممتلكاتهم بشكل واسع.
وفي موسم 2025، كانت الأمطار الغزيرة قد أدت في وسط المحافظة إلى وقوع حوادث مأساوية نتيجة تدفق السيول، بما في ذلك وقوع حالات وفاة لسكان أثناء محاولة عبور المياه الجارفة أو نتيجة تدفقها عبر طرق المدينة، إضافة إلى أسر فقدت حياتها كاملة تحت تدفق الماء أثناء محاولتها عبور مجرى سيل في خلال الأمطار، ما أعاد التأكيد على ضعف البنية التحتية وعدم وجود أنظمة وقاية فعّالة.
أما في السنوات السابقة التي سبقت 2024، فإن حالات السيول في اليمن بشكل عام ومناطق مثل إب بشكل خاص لم تخلُ من الكارثة. ففي موسم 2022، تعرض اليمن لفيضانات خطيرة أدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، مع استمرار السيول التي دمرت المنازل والمزارع والمرافق الحيوية وأثّرت على آلاف العائلات عبر أنحاء الوطن.
وفي مواسم 2019 و2020 و2023، كانت الفيضانات والفيضانات الموسمية جزءًا من الواقع اليمني المتكرر، في حين أثبت موسم 2020 أنه من بين الأسوأ على مستوى اليمن، حيث خلف السيول أعدادًا كبيرة من الضحايا وتضررت آلاف الأسر عبر المحافظات المختلفة بسبب الأمطار الغزيرة، مما يعكس طبيعة السيول كمخاطر متكررة في ظل هشاشة البنية التحتية وعدم وجود إدارة فعّالة لمواجهة الكوارث المناخية.
تكرار هذه السلسلة من الأحداث في مواسم مختلفة يضع تساؤلات حقيقية عن فاعلية استجابة الجهات الرسمية، ويبرز الحاجة إلى معالجة جذرية لمشكلة ضعف التخطيط وإدارة الكوارث المناخية في المحافظة.
التحديات الرئيسية أمام مواجهة السيول
من أبرز التحديات التي تواجه مدينة إب في مواجهة السيول هو ضعف التخطيط العمراني والبنية التحتية. شبكات تصريف المياه في العديد من أحياء المدينة لم تشهد صيانة منتظمة منذ سنوات، بينما الجسور والممرات التي تمر عبر مسارات السيول أو تربط بين الأحياء المختلفة شبه منعدمة ما يزيد من مخاطر الغرق وعدم قدرة المركبات والمارة على عبور الطرق بأمان.
التحدي الآخر يتمثل في ضعف التنسيق بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني.
في ظل غياب حكومة شرعية قادرة على تنظيم الاستجابة، يعتمد السكان غالباً على جهود فردية تطوعية لإنقاذ الممتلكات وحماية الأرواح، لكنها جهود غير منظمة وليست كافية لمواجهة قوة السيول وجسامة تداعياتها.
فضلاً عن ذلك، فإن غياب أنظمة الإنذار المبكر وعدم ربطها بالتنبؤات المناخية المحلية والدولية يجعل السكان غير مستعدين لتدفق المياه، خصوصاً في الأحياء التي تشهد تجمعات كبيرة للمياه في المواسم المطيرة ويكون من المفترض أن تتوفر فيها تجهيزات إنذار واستجابة فورية.
الدور المجتمعي في مواجهة الكارثة
على الرغم من العجز الرسمي، استطاع أبناء المدينة في مواسم أمطار سابقة تنظيم فرق طوارئ محلية تقوم بتحذير السكان عند توقع هطول أمطار غزيرة، وتعمل على فتح قنوات مؤقتة لتصريف المياه وتنظيم حركة السير لتفادي حوادث الغرق.
هذه الجهود المجتمعية، رغم محدوديتها، تُظهر قدرة المجتمع المدني على التكيف مع الكوارث الطبيعية، لكنها لا تُعوض النقص الكبير في الإمكانيات الرسمية، كما أنها غير قادرة بشكل كامل على ضمان الحماية الكاملة للأرواح والممتلكات في مواجهة العواصف والسيول الجارفة.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للكوارث
السيول تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي والمجتمع.
الأعمال التجارية الصغيرة تتضرر بشكل كبير، الأسواق تُغمر بالمياه وتتوقف حركة النقل، والمزارعون يخسرون محاصيلهم بعد سنوات من الجهد.
الأسر تعاني من نزوح داخلي مؤقت بينما يقل الاستثمار الخارجي خوفاً من خسائر مستقبلية، وهذه الآثار المتكررة تزيد من هشاشة المجتمع وتضع ضغوطاً مضاعفة على الأسر في ظل واقع اقتصادي صعب لم يتمكن من التعافي منذ سنوات الحرب والأزمة الإنسانية.
الآثار النفسية على السكان
تكرار هذه الكوارث الطبيعية يولّد ضغوطاً نفسية شديدة على السكان، فالأطفال الذين شهدوا انهيار منازلهم أو فقدان أحبائهم يعيشون حالة قلق دائم مع كل موسم مطري جديد، فيما تبقى الأسر الأخرى في حالة ترقب وخوف من أن يدفع موسم الأمطار القادم المزيد من الثمن البشري والمادي.
هذه الآثار النفسية والاجتماعية تتطلب تدخلات لدعم الصحة النفسية والمجتمعية، وإدماج هذا الجانب في أي خطة مواجهة شاملة للكوارث.
الحلول المقترحة لمواجهة السيول
يقترح مهندسون وخبراء اعتماد نهج شامل لإدارة مخاطر السيول يعتمد على التخطيط العمراني المستدام وتعميق وتوسيع مجاري الأودية وزراعة حواجز نباتية لتقليل انجراف التربة وتخفيف تدفق المياه، وإنشاء أنظمة لجمع مياه الأمطار لاستخدامها وتقليل الضغط على الأحياء.
كما أن هناك حاجة ماسة لإنشاء جسور وممرات آمنة للمشاة والسيارات في أماكن تجمعات السيول داخل ومداخل المدينة، إذ إن عدم وجود مثل هذه البنى كان سبباً رئيسياً في وقوع العديد من الضحايا في السنوات الماضية، بمدينة إب، كما يؤكد المختصون أهمية ربط أنظمة إنذار مبكر بالتنبؤات المناخية المحلية والدولية لتصل التحذيرات إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين بما يسهم في الحد من الخسائر.
مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والمجتمع المدني
يبقى السؤال المحوري: كيف يمكن لأبناء مدينة إب مواجهة السيول بفعالية في ظل غياب الدولة القادرة على حماية المواطنين؟ في ظل سيطرة مليشيا الحوثي على المحافظة التي لا تعير مشاكل وكوارث سيول الأمطار أي اهتمام، بينما تستنزف إيرادات المؤسسات الحكومية لصالح قياداتها في صنعاء وصعدة، تبقى المحافظة بأكملها تفتقر لأبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية، من بينها خدمات تصريف السيول وإنشاء الجسور والممرات في المناطق الخطرة.
الإجابة تتطلب تضافر الجهود بين المجتمع المدني والسلطات المحلية الخاضعة للسيطرة الحوثية، وتوفير الموارد الفنية والمالية، وتفعيل دور المؤسسات المحلية بشكل شفاف وفعّال لمواجهة كوارث السيول وتقديم الخدمات والحلول للحد من تكرار تلك الكوارث التي يذهب ضحاياها العشرات من أبناء المحافظة في كل موسم أمطار.
موسم الأمطار يحمل الخير والطبيعة لكنه يحمل أيضاً خطر الكارثة إذا لم يُدار بالشكل الصحيح.
التحدي الحالي هو تحويل موسم المطر من موسم خوف ودمار إلى موسم أمل وتجدد عبر التعاون والتخطيط الجاد والاهتمام بحقوق المواطنين وحمايتهم من قسوة الطبيعة وواقع سلطة مليشيا لا ترى في محافظة إب سوى وسيلة نهب وفرض جبايات على المواطنين فيها.