مأرب وتعز تحت وطأة النزوح والسيول.. مدن أنهكتها الحرب وتفاقمت فيها الكوارث الإنسانية
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب الطويلة، تتحول بعض المدن اليمنية إلى مسارح مفتوحة لأزمات مركبة تتداخل فيها السياسة بالمعيشة، والحرب بالطبيعة، والنزوح بالكوارث. وتبرز محافظتا مأرب وتعز كنموذجين صارخين لهذا التشابك المعقد، حيث تتقاطع موجات النزوح الجماعي مع هشاشة البنية التحتية، وتتحول الأمطار والسيول من ظاهرة موسمية إلى كوارث مدمرة تترك وراءها خسائر بشرية ومادية ثقيلة.
في مأرب، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكبر تجمع للنازحين في اليمن، تتكدس مئات الآلاف من الأسر في مخيمات ممتدة على أطراف المدينة وفي الصحراء المحيطة بها. وفي تعز، المدينة التي لا تزال تعيش تحت ضغط الحرب والحصار الجزئي والازدحام السكاني، تتفاقم معاناة السكان بين انهيار الخدمات الأساسية وغياب الحلول المستدامة، فيما تضيف السيول الموسمية طبقة جديدة من الألم الإنساني الذي يتكرر كل عام دون حلول جذرية.
مأرب.. مدينة تتحول إلى خيام ممتدة على أطراف الصحراء
تحولت محافظة مأرب خلال سنوات الحرب إلى الوجهة الرئيسية لمئات آلاف النازحين الفارين من جبهات القتال في مختلف المحافظات اليمنية. هذا التدفق الهائل خلق واقعاً ديموغرافياً غير مسبوق، إذ تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن عدد النازحين في مأرب يتجاوز حاجز المليوني شخص، يعيش معظمهم في مخيمات غير رسمية تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
المشهد العام في هذه المخيمات يعكس هشاشة الواقع الإنساني، حيث تنتشر الخيام المصنوعة من القماش والمواد البدائية في مساحات مفتوحة، بلا تخطيط عمراني ولا بنية تحتية قادرة على الصمود أمام تقلبات الطقس القاسية. ومع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف وانخفاضها في الشتاء، يجد النازحون أنفسهم أمام ظروف معيشية قاسية تتجاوز القدرة على الاحتمال، خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن والنساء.
تعاني هذه المخيمات من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، وضعف في خدمات الصرف الصحي، وغياب شبه كامل للأنظمة الصحية المستدامة. وتؤدي هذه الظروف إلى انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، إلى جانب ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال نتيجة تراجع المساعدات الإنسانية وعدم استقرار مصادر الغذاء.
ومع تزايد أعداد النازحين، تتفاقم الضغوط على الخدمات العامة في مدينة مأرب نفسها، حيث تشهد المدارس والمستشفيات والأسواق ضغطاً غير مسبوق، في وقت تعجز فيه السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية عن مواكبة حجم الاحتياج المتصاعد.
السيول في مأرب.. خطر موسمي يتحول إلى كارثة متكررة
إلى جانب أزمة النزوح، تواجه مأرب تهديداً سنوياً متكرراً يتمثل في السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة، والتي تتحول في كثير من الأحيان إلى كوارث إنسانية واسعة النطاق. إذ تقع العديد من المخيمات في مناطق منخفضة أو بالقرب من مجاري السيول الطبيعية، ما يجعلها عرضة للغمر والتدمير في كل موسم أمطار.
تتسبب السيول في تدمير آلاف الخيام خلال ساعات قليلة، ما يؤدي إلى تشريد الأسر النازحة مجدداً بعد أن فقدت مأواها الأول. كما تجرف المياه الممتلكات البسيطة التي يعتمد عليها النازحون في حياتهم اليومية، من مواد غذائية ومياه وخزانات وأدوات معيشية محدودة، لتتحول المخيمات في لحظات إلى مساحات طينية غير صالحة للسكن.
ولا تتوقف آثار السيول عند الخسائر المادية فقط، بل تمتد لتشمل خسائر بشرية وإصابات متفاوتة، إضافة إلى تفاقم المخاطر الصحية نتيجة تلوث المياه وانتشار الأمراض بعد انحسار المياه. وتؤكد تقارير إنسانية أن بعض المواسم المطرية شهدت تضرر آلاف الأسر في وقت واحد، ما يعكس حجم الهشاشة التي يعيشها النازحون في هذه المناطق.
ويشير مراقبون إلى أن تكرار هذه الكوارث يعود إلى غياب الحلول الإسكانية الدائمة، وإلى إقامة المخيمات في مناطق غير مؤهلة هندسياً لاستيعاب هذا العدد الكبير من السكان، إضافة إلى ضعف البنية التحتية وغياب أنظمة تصريف مياه فعالة.
تعز.. مدينة مزدوجة المعاناة بين الحرب والنزوح
في الجهة الأخرى من المشهد اليمني، تعيش محافظة تعز واقعاً مختلفاً في الشكل، لكنه مشابه في المضمون من حيث عمق المعاناة. فبينما تستضيف مأرب مخيمات نزوح واسعة، تواجه تعز ضغطاً سكانياً كبيراً داخل مدينة مدمرة جزئياً، حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين إلى جانب السكان الأصليين في ظروف بالغة الصعوبة.
تعاني المدينة من آثار الحرب التي طالت بنيتها التحتية، وأدت إلى تدمير واسع في شبكات الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي. هذا التدهور البنيوي جعل الخدمات الأساسية شبه غائبة أو غير منتظمة، ما يضاعف من معاناة السكان والنازحين على حد سواء.
ويلجأ العديد من النازحين في تعز إلى السكن في مدارس ومبانٍ عامة أو في منازل مدمرة جزئياً، ما يعكس حجم الأزمة السكنية التي تعاني منها المدينة. كما يؤدي الضغط السكاني الكبير إلى ارتفاع أسعار الإيجارات والمواد الغذائية، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة لعدد كبير من الأسر.
وتشهد المدينة بشكل مستمر حركة نزوح داخلية من المناطق الريفية إلى مركز المدينة بحثاً عن الأمان أو الخدمات، ما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني ويضغط بشكل أكبر على البنية التحتية المنهكة أصلاً.
السيول في تعز.. كوارث تتكرر وتترك ندوباً عميقة
تعد السيول في محافظة تعز أحد أبرز التحديات البيئية التي تحولت إلى كوارث إنسانية في السنوات الأخيرة. فبسبب الطبيعة الجبلية للمدينة وتآكل البنية التحتية، تتسبب الأمطار الغزيرة في جريان سيول مفاجئة تجرف معها الطرق والمنازل والممتلكات.
شهدت مناطق عدة في تعز خلال اليومين الماضيين وخلال مواسم الأمطار الماضية حوادث مأساوية أدت إلى سقوط ضحايا بينهم أطفال، إلى جانب تدمير منازل وانهيار أجزاء من البنية التحتية في الأحياء السكنية والريفية. كما تسببت السيول في قطع طرق رئيسية تربط المدينة بمحيطها، ما أدى إلى عزل بعض المناطق لساعات أو أيام.
وتؤدي السيول أيضاً إلى خسائر كبيرة في القطاع الزراعي، حيث تجرف الأراضي الخصبة وتدمر المحاصيل وتؤثر على سبل عيش المزارعين، إضافة إلى نفوق المواشي في بعض الحالات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي للأسر الريفية.
ويؤكد خبراء محليون أن تكرار هذه الكوارث يعود إلى غياب التخطيط العمراني، والبناء العشوائي في مجاري السيول، إضافة إلى تدهور شبكات التصريف وغياب مشاريع الحماية المائية.
بين الحرب والمناخ.. مأرب وتعز في مواجهة أزمة مركبة
تكشف الأوضاع في مأرب وتعز عن حقيقة أوسع تتجاوز مجرد الكوارث الطبيعية أو آثار الحرب، لتشكل نموذجاً لأزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها عوامل متعددة. فالحرب الطويلة أدت إلى نزوح واسع النطاق، فيما أسهمت التغيرات المناخية في زيادة حدة السيول وتكرارها، بينما أدى ضعف البنية التحتية إلى تضخيم حجم الكارثة عند وقوعها.
في كلا المحافظتين، يبرز النازحون كالفئة الأكثر هشاشة، إذ يجدون أنفسهم في مواجهة مستمرة مع ظروف معيشية قاسية، دون حلول دائمة تضمن لهم الاستقرار أو الحد الأدنى من الأمان الإنساني. كما تعكس الأوضاع القائمة محدودية الاستجابة الإنسانية مقارنة بحجم الاحتياج المتزايد.
وتحذر تقارير إنسانية من أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات استراتيجية طويلة المدى قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر، خصوصاً مع استمرار تدفق النازحين وتزايد المخاطر المناخية.
خاتمة مفتوحة على الاحتمالات القاسية
بين خيام مأرب الممزقة تحت المطر، وأحياء تعز التي تغمرها السيول بين حين وآخر، تتجسد صورة بلد يعيش على حافة الخطر الإنساني الدائم. مدن تستقبل النازحين لكنها تعجز عن احتوائهم، وأمطار تأتي في موسمها لكنها تتحول إلى كوارث غير موسمية، وبنية تحتية لم تعد قادرة على مواكبة الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وفي ظل غياب حلول جذرية، يبقى السكان في مأرب وتعز عالقين بين حرب لم تنتهِ بعد، وطبيعة لم تعد رحيمة، وواقع إنساني يزداد تعقيداً عاماً بعد عام، دون أفق واضح لتغيير قريب.