الدولة والمليشيا.. لماذا يستحضر اليمنيون زمن "علي عبدالله صالح" في ملف الحقوق؟
لم تكن قضية الاعتقالات والإخفاء القسري والتعذيب في اليمن مجرد ملف حقوقي عابر ارتبط بمرحلة سياسية دون أخرى، بل تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتأثيراً في الحياة اليمنية، خصوصاً مع تعدد مراكز القوة وتفكك مؤسسات الدولة وظهور جماعات مسلحة تمتلك سلطات موازية للقانون.
غير أن كثيراً من اليمنيين، عند المقارنة بين ما يعيشه البلد اليوم والفترات السابقة، يستحضرون مرحلة الرئيس الأسبق الشهيد علي عبدالله صالح بوصفها مرحلة كانت فيها الدولة أكثر تماسكا وقدرة على احتواء الخصوم عبر الحوار والتفاهم والاتفاقات السياسية، مقارنة بما آلت إليه الأوضاع لاحقاً مع صعود المليشيات والجماعات المسلحة.
هذا الشعور لا يرتبط فقط بالحنين السياسي أو بالمواقف الحزبية، بل يتصل أيضاً بحجم التحولات التي شهدها اليمن بعد عام 2011، حين انتقلت البلاد من دولة مركزية تملك مؤسسات وأجهزة معروفة إلى واقع متشظٍ تتنازع فيه السلطات قوى متعددة، لكل منها أجهزتها الأمنية وسجونها الخاصة ومنظومتها العقابية الخارجة عن سلطة القضاء.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى مليشيات الحوثي بشأن الاختطافات والإخفاء القسري والتعذيب بحق معارضين وصحفيين وناشطين وموظفين محليين ودوليين، في وقت تحدثت فيه تقارير حقوقية أيضاً عن انتهاكات ارتكبتها جماعات وقوات محلية مرتبطة بأطراف سياسية مختلفة، بما فيها تشكيلات مسلحة محسوبة على حزب الإصلاح.
وفي خضم هذه المقارنات، عاد الحديث مجدداً عن طبيعة إدارة الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح للدولة، وعن الفارق بين مؤسسة الدولة التقليدية وأنماط الحكم القائمة على سلطة الجماعة المسلحة أو النفوذ الأمني غير المنضبط.
صالح والسياسة القائمة على الاحتواء
على مدى أكثر من ثلاثة عقود حكم خلالها اليمن، عُرف الرئيس علي عبدالله صالح بقدرته على إدارة التوازنات السياسية والقبلية والاجتماعية المعقدة، وهي قدرة جعلته يحافظ على بقاء الدولة اليمنية موحدة رغم تعدد مراكز النفوذ والصراعات.
وكان صالح يفضل، بحسب شخصيات سياسية عاصرته، اللجوء إلى التفاهمات السياسية، والاتفاقات القبلية والحزبية بدلاً من الانزلاق نحو منطق التصفيات المفتوحة أو الحرب الشاملة داخل المدن.
وفي أكثر من مناسبة، تحدث وزير الخارجية اليمني الأسبق أبو بكر القربي وزير الخارجية اليمني الأسبق عن شخصية صالح السياسية، معتبراً أن من أبرز ما كان يميزه قدرته على استيعاب الخصوم والانفتاح على الحوار حتى مع أشد معارضيه.
ويشير سياسيون يمنيون إلى أن الحياة الحزبية والإعلامية خلال فترة حكم صالح ظلت قائمة رغم الاحتقان والصراع، حيث كانت الأحزاب السياسية تعقد اجتماعاتها وتمارس نشاطها العلني، كما بقيت الصحف المعارضة تصدر بصورة منتظمة في فترات طويلة، واستمرت ساحات النقاش السياسي مفتوحة بصورة أوسع مقارنة بما تعيشه مناطق سيطرة الحوثيين اليوم.
كثير من اليمنيين يرون أن نمط الدولة في عهد صالح كان مختلفاً عن نمط الجماعات المسلحة الحالية، من حيث وجود مؤسسات رسمية وقضاء وهيكل إداري معروف، مقابل واقع اليوم الذي يتداخل فيه نفوذ المشرفين والقادة الميدانيين والأجهزة غير الرسمية.
من الدولة إلى المليشيات
بعد أحداث 2011 والانقسام السياسي والعسكري الذي شهدته البلاد، دخل اليمن مرحلة انتقالية مضطربة انتهت عملياً بسيطرة مليشيات الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت بنية الدولة التقليدية بالتفكك التدريجي، وتحولت مؤسسات الأمن والقضاء إلى أدوات خاضعة للجماعة، بينما ظهرت أجهزة موازية تدير الملف الأمني والاستخباراتي بعيداً عن أي رقابة قانونية حقيقية.
وتشير تقارير حقوقية دولية ومحلية، إلى أن مليشيا الحوثي وسعت بشكل غير مسبوق من عمليات الاختطاف والإخفاء القسري، مستهدفة معارضين سياسيين وصحفيين وناشطين وأكاديميين وموظفين في منظمات دولية، إضافة إلى مواطنين عاديين جرى احتجازهم بسبب آرائهم أو انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية.
ووفق تقارير صادرة عن منظمات دولية، فإن الحوثيين استخدموا السجون السرية ومراكز الاحتجاز غير الرسمية بصورة واسعة، كما مارسوا أساليب تعذيب متنوعة وانتزاع اعترافات بالقوة وبث تسجيلات مصورة للمختطفين تحت الضغط.
كما وثقت منظمات حقوقية استمرار احتجاز مئات الأشخاص لسنوات دون محاكمات عادلة، إضافة إلى رفض تنفيذ أوامر قضائية بالإفراج عن كثير من المختطفين.
ويرى حقوقيون أن أخطر ما في هذه المرحلة يتمثل في غياب الدولة نفسها، إذ لم تعد هناك جهة قادرة على محاسبة الأجهزة الأمنية أو إلزامها بالقانون، الأمر الذي جعل السجن في كثير من الأحيان رهينة لمزاج المشرف أو القائد الأمني وليس لقرار القضاء.
الإخفاء القسري كسلاح للترهيب
خلال السنوات الماضية، تحولت ظاهرة الإخفاء القسري في اليمن إلى واحدة من أكثر أدوات الترهيب استخداماً من قبل الجماعات المسلحة.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن عائلات كثيرة ظلت لأشهر أو لسنوات لا تعرف مصير أبنائها، فيما تعرض بعض المختفين للتعذيب النفسي والجسدي أو نُقلوا بين سجون متعددة دون السماح لأسرهم بزيارتهم.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، ارتبطت هذه الممارسات غالباً بالعمل السياسي أو الإعلامي أو حتى بالنشاط الإنساني، حيث تحدثت تقارير عن اختطاف موظفين في منظمات دولية ومحلية وصحفيين ونشطاء بتهم فضفاضة تتعلق بالتخابر أو التعاون مع الخارج.
كما أشارت تقارير أممية إلى أن معظم المختطفين تعرضوا لمحاكمات استثنائية أو احتجاز طويل دون محاكمة، في ظل بيئة قضائية تفتقر إلى الاستقلالية، مع صدور وتنفيذ قرارات إعدام بحق بعض المختطفين.
ويقول ناشطون، إن الفارق بين الماضي والحاضر لا يتعلق فقط بوجود انتهاكات من عدمه، بل بطبيعة البيئة السياسية نفسها، إذ كانت الدولة سابقاً تحتفظ بقدر كافٍ من التوازن بين القبيلة والحزب والمؤسسة، بينما باتت السلطة اليوم قائمة على فكرة المليشيا العقائدية المسلحة التي ترى في الخصم تهديداً وجودياً يجب إسكاته.
الجماعات المسلحة المرتبطة بالأحزاب
ولم تقتصر الانتهاكات على الحوثيين وحدهم، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن جماعات وقوات محلية مرتبطة بأطراف سياسية مختلفة تورطت أيضاً في اعتقالات تعسفية وانتهاكات بحق خصومها.
في المحافظات الجنوبية، تحدثت تقارير عن وجود سجون سرية وعمليات احتجاز خارج إطار القضاء نفذتها تشكيلات أمنية وعسكرية مدعومة أو مرتبطة بقوى سياسية نافذة.
كما أثيرت اتهامات مؤكدة لحزب الإصلاح فرع تنظيم الإخوان باليمن وجماعات مسلحة محسوبة عليه أو متحالفة معه بشأن ملاحقة معارضين واعتقال ناشطين تحت مبررات أمنية وسياسية في كل من مأرب وتعز.
ويرى مراقبون، أن الحرب اليمنية أسهمت في إنتاج بيئة خصبة للانتهاكات، حيث امتلكت قوى متعددة السلاح والمال والنفوذ دون وجود دولة مركزية قادرة على ضبطها أو محاسبتها.
ومع تعدد السجون ومراكز الاحتجاز وتضارب السلطات، أصبح المواطن اليمني عرضة للاعتقال من أكثر من جهة، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة منذ اندلاع الحرب.
الفارق بين مؤسسة الدولة ومنطق المليشيا
يرى سياسيون وإعلاميون يمنيون أن المقارنة بين مرحلة الدولة في عهد الرئيس صالح وواقع الجماعات المسلحة اليوم تكشف تحولات عميقة في بنية السلطة داخل اليمن.
ففي السابق، كانت السلطة تستند إلى مؤسسات معروفة وقوانين وهيكل إداري موحد، وكانت القرارات تصدر عبر أجهزة رسمية يمكن تتبعها أو التفاوض معها.
أما اليوم، فإن كثيراً من المناطق اليمنية باتت تخضع لسلطات متداخلة، حيث يدير المشرف الأمني أو القائد الميداني ملفات الاختطاف والتحقيق بعيداً عن أي رقابة حقيقية.
كما أن انتشار السجون غير الرسمية وغياب الشفافية القانونية خلق حالة خوف واسعة داخل المجتمع، خصوصاً لدى الصحفيين والناشطين والسياسيين.
ويقول متابعون، إن أخطر ما أنتجته الحرب ليس فقط الدمار الاقتصادي والعسكري، بل انهيار فكرة الدولة نفسها، وتحول اليمن إلى مناطق نفوذ متصارعة تملك كل منها أدواتها الأمنية والقضائية الخاصة.
الإعلام والصحافة تحت الضغط
كانت الصحافة اليمنية خلال العقود الماضية واحدة من أكثر المساحات حيوية في المشهد السياسي، حيث شهد اليمن صدور عشرات الصحف الحزبية والمستقلة وتنوعاً لافتاً في الخطاب الإعلامي.
لكن السنوات الأخيرة حملت تراجعاً حاداً في مستوى الحريات الإعلامية، مع تصاعد الاعتقالات بحق الصحفيين وإغلاق المؤسسات الإعلامية وملاحقة الناشطين على خلفية آرائهم.
ووثقت منظمات حقوقية محلية ودولية تعرض صحفيين للاختطاف والإخفاء والمحاكمات الاستثنائية، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين.
كما تحدث صحفيون عن تعرضهم للملاحقة أو التهديد من قبل أطراف أخرى في مناطق مختلفة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى مغادرة البلاد أو التوقف عن العمل الإعلامي.
ويرى مراقبون أن المناخ الإعلامي الحالي يعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها البلاد، حيث أصبحت الكلمة نفسها تُعامل أحياناً باعتبارها تهديداً أمنياً.
الحنين إلى الدولة
في ظل الفوضى والانقسام وتعدد السجون والانتهاكات، عاد جزء كبير من اليمنيين إلى استحضار مرحلة الدولة قبل الحرب بوصفها مرحلة أكثر استقراراً وأقل فوضوية. ولا يعني ذلك بالضرورة غياب المشكلات أو الأخطاء خلال تلك الفترة، لكنه يعكس حجم الانهيار الذي تعيشه البلاد اليوم مقارنة بماضٍ كانت فيه مؤسسات الدولة قائمة وبالشكل الكافي والمطلوب.
يقول سياسيون إن اليمنيين، بعد سنوات الحرب، باتوا يقارنون بين دولة يمكن فيها معالجة الخلافات عبر السياسة والحوار وبين واقع تحكمه القوة المسلحة والمشرفون والسجون السرية.
كما يرى مراقبون أن استمرار الحرب والصراع وتعدد مراكز القوة جعل ملف المعتقلين والإخفاء القسري أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، خصوصاً مع غياب قضاء مستقل وانقسام المؤسسات الرسمية.
الحاجة إلى عدالة شاملة
رغم اختلاف المراحل والأطراف، تؤكد المنظمات الحقوقية أن معالجة ملف الاعتقالات والإخفاء القسري في اليمن لا يمكن أن تتم بصورة انتقائية.
فالضحايا موجودون في مختلف المراحل، والانتهاكات ارتكبتها جهات متعددة، والحل الحقيقي يبدأ بوجود دولة قادرة على فرض القانون ومحاسبة الجميع دون استثناء.
ويرى حقوقيون أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تكون مستقرة ما لم تتضمن معالجة حقيقية لملف المعتقلين والمختفين قسراً، والكشف عن السجون السرية، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
كما يشدد ناشطون على أهمية استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سلطة الجماعات المسلحة، باعتبار أن غياب الدولة هو السبب الرئيسي في اتساع دائرة الانتهاكات.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الحرب والانقسام، يبقى اليمنيون عالقين بين ذاكرة دولة كانت تدار بالسياسة والتوازنات، وواقع جديد تحكمه الجماعات المسلحة ومنطق القوة، فيما يظل ملف المعتقلين والإخفاء القسري واحداً من أكثر الملفات إيلاماً في تاريخ اليمن الحديث.
وبينما تستمر الدعوات الحقوقية لإنهاء الانتهاكات وإطلاق سراح المعتقلين، يظل السؤال الأكبر الذي يواجه اليمنيين اليوم: كيف يمكن استعادة الدولة قبل أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة، ويصبح الخوف بديلاً عن القانون، والسجن بديلاً عن السياسة.