كهرباء تعز.. خدمة منهارة وشبكات نفوذ تتقاسم الظلام والجباية
لم تعد أزمة الكهرباء في مدينة تعز مجرد مشكلة خدمية عابرة ترتبط بانقطاع التيار أو نقص الوقود، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل في المدينة التي أنهكتها الحرب والحصار والانقسام الإداري. فمع كل صيف تتجدد معاناة السكان بصورة أكثر قسوة، بينما تتسع دائرة الاتهامات حول وجود شبكات نفوذ تتحكم بقطاع الكهرباء وتدير أجزاء واسعة من التوزيع والجباية خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية.
وفي وقت ينتظر فيه المواطنون أي بارقة أمل لإنقاذ المدينة من العتمة الخانقة، جاءت تصريحات وزير الكهرباء والطاقة عدنان الكاف حول خروج كهرباء تعز عن سيطرة الحكومة ووجود جهات نافذة تتقاسم مناطق التوزيع، لتفتح الباب مجددًا أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة القوى التي تدير هذا القطاع الحيوي، وحجم الإيرادات التي يتم تحصيلها، ولماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في إعادة بناء منظومة كهرباء مستقرة داخل المدينة.
مدينة تبحث عن الكهرباء منذ سنوات
منذ اندلاع الحرب وتوقف معظم محطات التوليد الحكومية، دخلت تعز في دوامة طويلة من الانهيار الخدمي، كان قطاع الكهرباء أحد أبرز ضحاياها. فالشبكة الحكومية تعرضت لأضرار واسعة، وتوقفت خطوط الإمداد الرئيسية، فيما تحولت الأحياء السكنية تدريجيًا إلى رهينة للمولدات التجارية والاشتراكات الخاصة والحلول المؤقتة التي تمددت مع غياب الدولة وضعف المؤسسات.
ومع مرور الوقت، لم تعد الكهرباء تُدار كمرفق سيادي موحد، بل كشبكة معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والنفوذ المحلي والسلطات غير الرسمية، الأمر الذي خلق واقعًا جديدًا قائمًا على تعدد مراكز التحكم بالخدمة، وتفاوت مستوى الإمداد والتسعيرة والجباية من منطقة إلى أخرى.
ويقول سكان في المدينة إن معاناتهم لا تتوقف عند حدود الانقطاع المستمر للكهرباء، بل تمتد إلى الارتفاع الكبير في رسوم الاشتراكات الخاصة، وغياب الرقابة على جودة الخدمة، إلى جانب العجز عن معرفة الجهة المسؤولة فعليًا عن إدارة القطاع ومحاسبتها.
شبكات نفوذ داخل قطاع الكهرباء
التوصيف الذي تحدث عنه وزير الكهرباء لم يأتِ من فراغ، فالكثير من العاملين في القطاع يرون أن كهرباء تعز أصبحت خلال السنوات الماضية ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الإداري والمالي والسياسي، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على فرض سيطرتها الكاملة على منظومة التشغيل والتحصيل.
وبحسب مصادر عاملة في القطاع، فإن بعض مناطق التوزيع تُدار بصورة غير مركزية، بينما تتولى جهات محلية ومتعهدون الإشراف على عمليات الجباية والتشغيل، وسط اتهامات بوجود مصالح اقتصادية واسعة مرتبطة باستمرار هذا الوضع المضطرب.
وتشير المصادر إلى أن تعدد الجهات المتحكمة بالخدمة أضعف قدرة المؤسسة الرسمية على استعادة دورها، كما أدى إلى تشظي الإيرادات وغياب الشفافية حول حجم الأموال المحصلة وآليات إنفاقها، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة.
اقتصاد الحرب يلتهم الخدمات
يرى مراقبون أن أزمة الكهرباء في تعز لا يمكن فصلها عن اقتصاد الحرب الذي تشكل خلال السنوات الماضية في مختلف القطاعات الخدمية. فمع انهيار مؤسسات الدولة، ظهرت شبكات مصالح استفادت من الفراغ القائم، وتحولت بعض الخدمات الأساسية إلى مصادر دخل ونفوذ بدلاً من كونها مسؤولية حكومية خاضعة للرقابة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، برزت تجارة المولدات الكهربائية والاشتراكات التجارية كواحدة من أكثر الأنشطة ربحًا داخل المدينة، حيث يعتمد آلاف السكان على الكهرباء الخاصة بأسعار مرتفعة مقارنة بمستوى الدخل المتدهور، بينما تبدو الكهرباء الحكومية عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.
ويؤكد ناشطون أن استمرار هذا الوضع خلق طبقة مستفيدة من بقاء الأزمة، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة تنظيم القطاع أو فرض إدارة مركزية تواجه بعراقيل متعددة، سواء على المستوى الإداري أو الاقتصادي.
تعز بين العتمة والانقسام
تعكس أزمة الكهرباء صورة أوسع لحالة الانقسام والتفكك التي تعيشها مؤسسات الدولة في اليمن عمومًا، وتعز على وجه الخصوص. فالمدينة التي كانت تُعرف بتاريخها المدني والثقافي أصبحت تواجه اليوم واقعًا شديد التعقيد، تتداخل فيه السلطات المحلية مع النفوذ الحزبي والاقتصادي والأمني، ما جعل إدارة الملفات الخدمية أكثر صعوبة.
ويرى محللون أن غياب رؤية حكومية واضحة لإعادة بناء قطاع الكهرباء أسهم في تعميق الأزمة، خصوصًا مع الاعتماد المستمر على المعالجات المؤقتة والحلول الإسعافية، دون تنفيذ مشاريع استراتيجية مستدامة تعيد للمدينة شبكة كهرباء مستقرة وقادرة على تلبية احتياجات السكان.
كما أن تراجع الدعم الحكومي وغياب التمويل الكافي لإعادة التأهيل، فاقم من هشاشة القطاع، في وقت تتزايد فيه الكثافة السكانية والاحتياجات اليومية للكهرباء، سواء في المنازل أو المستشفيات أو المؤسسات التعليمية والخدمية.
المواطن يدفع الثمن وحده
وسط هذا المشهد المعقد، يبقى المواطن التعزي الطرف الأكثر تضررًا من الانهيار المستمر للكهرباء. فالأسر تعيش ساعات طويلة في الظلام، والطلاب يواجهون صعوبة في الدراسة، وأصحاب الأعمال الصغيرة يتحملون تكاليف إضافية لتشغيل المولدات، بينما تتضاعف معاناة المرضى مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الخدمات الطبية المرتبطة بالطاقة.
ويقول مواطنون إن أزمة الكهرباء أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المدينة، وإن الوعود الحكومية المتكررة لم تنجح حتى الآن في إحداث تغيير ملموس على الأرض، ما أدى إلى اتساع حالة الغضب الشعبي وفقدان الثقة بقدرة السلطات على معالجة الملف.
وفي الأحياء الشعبية، تبدو الأزمة أكثر قسوة، حيث تعجز كثير من الأسر عن تحمل تكاليف الاشتراكات التجارية، ما يدفعها للعيش في ظروف معيشية صعبة، خصوصًا خلال فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعًا كبيرًا في الطلب على الكهرباء.
تصريحات الكاف تفتح الملف من جديد
أثارت تصريحات وزير الكهرباء عدنان الكاف تفاعلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، باعتبارها واحدة من أوضح التصريحات الرسمية التي تتحدث بشكل مباشر عن فقدان السيطرة الحكومية على قطاع الكهرباء في تعز.
ويرى متابعون أن أهمية هذه التصريحات تكمن في أنها تمثل اعترافًا رسميًا بحجم الاختلالات الموجودة داخل القطاع، كما تعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة في استعادة دورها داخل واحدة من أهم المدن اليمنية.
لكن في المقابل، يعتبر ناشطون أن الاعتراف بالمشكلة لا يكفي، وأن المطلوب هو الانتقال إلى خطوات عملية تشمل إعادة تنظيم القطاع، وتوحيد الإيرادات، وإخضاع كافة عمليات التوزيع والتحصيل لرقابة الدولة، إلى جانب فتح تحقيقات شفافة حول مصير الموارد المالية التي جرى تحصيلها خلال السنوات الماضية.
الحاجة إلى مشروع إنقاذ حقيقي
يرى خبراء أن إنقاذ كهرباء تعز يتطلب مشروعًا متكاملاً يتجاوز الحلول المؤقتة، ويعتمد على إعادة بناء البنية التحتية وتأهيل الشبكات والمحطات، إلى جانب فرض إدارة مؤسسية موحدة بعيدة عن التجاذبات السياسية وشبكات المصالح.
كما يشدد الخبراء على أهمية وجود دعم حكومي ودولي لإعادة تشغيل القطاع بصورة مستقرة، باعتبار الكهرباء واحدة من أهم ركائز التعافي الاقتصادي والخدمي في المدينة.
وفي ظل استمرار الأزمة، تبقى تعز عالقة بين وعود الإصلاح وواقع الانهيار، بينما يعيش السكان على أمل استعادة خدمة تحولت مع مرور السنوات من حق أساسي إلى حلم يومي مؤجل، في مدينة أنهكتها الحرب، وتنازعتها مراكز النفوذ، وغرقت أحياؤها في ظلام طويل لا يبدو أن نهايته قريبة.