اليمنيون بين الفقر والقمع.. ساطور حوثي يلتهم قوت المدنيين ويسحق الحريات
تواجه الملايين من الأسر اليمنية، القابعة تحت وطأة السيطرة الحوثية، فصولاً مأساوية من المعاناة الإنسانية التي تجاوزت حدود الوصف، وتخطت معايير الأزمات المعيشية التقليدية لتتحول إلى جحيم يومي مركب يزاوج بين الإفقار المتعمد والقمع الممنهج. وتعيش هذه المناطق شللاً تاماً في شريان الحياة الاقتصادية والحقوقية، إثر سياسات متطرفة تنتهجها مليشيا الحوثي بهدف إخضاع المجتمع، وتركيعه وتجريده من أدنى مقومات العيش الكريم والكرامة الإنسانية، وسط صمت دولي مريب يدفع ثمنه البسطاء من قوت أولادهم وحرياتهم المسلوبة.
سياسة التجويع
تأتي أزمة انقطاع المرتبات في طليعة الأسلحة الفتاكة التي تشرعها المليشيا في وجه الموظفين العموميين منذ سنوات طوال، حيث تصر على حرمان مئات الآلاف من المعلمين، والأطباء، والإداريين من مستحقاتهم المالية القانونية، رغم تدفق المليارات إلى خزائنها من عائدات ميناء الحديدة، والضرائب الباهظة، والجمارك المستحدثة، والجبايات القسرية التي لا تتوقف طوال العام، وتحولت لقمة العيش إلى حلم بعيد المنال لغالبية العائلات التي باتت تعتمد على وجبة واحدة شحيحة في اليوم، مما رفع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء إلى مستويات مرعبة وغير مسبوقة، تضع البلاد على حافة مجاعة حقيقية، الشواهد عليها تمشي في الشوارع بوجوه شاحبة وأجساد أنهكها الجوع والمرض.
مقصلة الجبايات
ولم تكتف المليشيا بقطع الرواتب، بل عمدت إلى تجفيف مصادر الدخل البديلة للمواطنين، من خلال شن حملات مداهمة مسعورة، وتفتيش لا ينتهي يستهدف القطاع التجاري الخاص، والمحلات الصغيرة، والباعة المتجولين، وفرض إتاوات باهظة تحت مسميات طائفية ومناسبات دينية مستحدثة لا تنقضي طوال أشهر السنة، مما تسبب في إفلاس مئات الشركات والمشاريع الصغيرة، وإغلاق مطاعم ومحال تجارية شهيرة كانت تشكل مصدر رزق لآلاف الأسر، ونتج عن هذا التضييق المالي غير المسبوق ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية والمشتقات النفطية، وتوسعت رقعة البطالة بشكل مخيف لتلتهم فئة الشباب الذين وجدوا أنفسهم بلا عمل ولا أمل، مما جعلهم فريسة سهلة للاستقطاب الطائفي والتحشيد لجبهات القتال.
حصار العمل الإغاثي وتأميم المساعدات الإنسانية
وفي خطوة لتعميق المأساة الإنسانية، وضعت المليشيا العراقيل تلو العراقيل أمام المنظمات الدولية والمحلية العاملة في المجال الإنساني، وفرضت قيوداً صارمة على حركة طواقم الإغاثة، وتدخلت في كشوفات المستفيدين لتوجيه المعونات لصالح الموالين والمشرفين التابعين لها، مما دفع برامج أممية كبرى، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، إلى تعليق وتخفيض توزيع المساعدات الغذائية في هذه المناطق، وهذا الحصار الإغاثي المتعمد أسقط شبكة الأمان الأخيرة التي كانت تحمي ملايين المعدمين من الموت جوعاً، حيث أدى الحصار الإغاثي المتعمد في اليمن إلى انهيار شبكة الأمان الغذائي، مما دفع الملايين لمواجهة خيارات قاسية بين الموت جوعاً، أو الالتحاق بجبهات القتال، أو النزوح المحفوف بالمخاطر.
قبضة أمنية حديدية وتكميم مطلق للأفواه
وبالموازاة مع الإفقار الاقتصادي، يرزح المواطنون تحت وطأة إرهاب فكري وأمني غير مسبوق يستهدف تكميم الأفواه، ومنع أي صوت يتجرأ على توجيه الانتقاد لسياسات المليشيا الكارثية، حيث تحولت شوارع صنعاء وبقية المحافظات إلى غابة من الجواسيس والمخبرين يتبعون ما يسمى بالأمن والمخابرات الحوثي، وجرى إغلاق كافة وسائل الإعلام المستقلة والحزبية ومصادرة مقارها، وحجب المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي، لدرجة بات معها كتابة منشور على منصة رقمية، أو التعبير عن الرأي في مجلس خاص، تهمة كافية تقود صاحبها إلى غياهب السجون السرية بتهم جاهزة مثل "الخيانة"، و"العمالة"، و"إقلاق السكينة العامة".
حرب شعواء ضد موظفي الأمم المتحدة والناشطين
وقد بلغت حملات القمع الحوثية ذروتها باستهداف مباشر وممنهج للعشرات من موظفي البعثات الأممية، والمنظمات الدولية والمحلية، والناشطين الحقوقيين، من خلال حملات مداهمة ليلية للمنازل، واختطافهم وإخفائهم قسرياً في سجون تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية، وتوجيه اتهامات ملفقة ومفبركة لهم بالتجسس لصالح قوى خارجية، وبث اعترافات قسرية منتزعة تحت التعذيب والترهيب عبر شاشات التلفزة التابعة للمليشيا، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، والهدف من هذه الحملة الشرسة هو عزل المجتمع اليمني بالكامل عن العالم الخارجي، ومنع توثيق الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق المدنيين خلف الأبواب المغلقة.
سجون مظلمة ومحاكمات هزلية
وتشير التقارير الحقوقية، المحلية والدولية، إلى أن المختطفين في سجون الحوثي يواجهون صنوفاً وحشية من التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من الرعاية الطبية، مما أدى إلى وفاة العديد منهم داخل الزنازين، أو إصابتهم بعاهات مستديمة، وتستخدم المليشيا الجهاز القضائي، الخاضع لسيطرتها تماماً، كأداة سياسية لتصفية الحسابات، وإصدار قرارات إعدام ومصادرة أموال وممتلكات بحق معارضين وناشطين وصحفيين عبر محاكمات هزلية تفتقر لأبسط شروط العدالة والنزاهة القانونية، مما ينشر حالة من الرعب العام والذعر بين أوساط المدنيين الذين يشعرون بعدم الأمان حتى داخل بيوتهم.
تطييف التعليم
ولم تسلم الحريات الشخصية والاجتماعية من التدمير، حيث فرضت المليشيا قيوداً متزمتة مستوحاة من الأفكار المتطرفة، مثل منع حركة وتنقل النساء بين المحافظات أو السفر للخارج إلا بوجود "محرم"، وتحديد مواصفات معينة للملابس، وفصل الطلاب عن الطالبات في الجامعات، وإغلاق المقاهي والمتنزهات، وتترافق هذه القيود مع عملية تجريف واسعة للقطاع التعليمي، من خلال تغيير المناهج الدراسية، وتلقين الأطفال أفكاراً طائفية تحث على العنف والموت، وتدجين عقول الأجيال القادمة لخدمة مشروعها السلالي، مما يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي اليمني المتماسك، وتدمير مستقبل ملايين الأطفال الذين جرى حرمانهم من التعليم الحقيقي، ودفعهم بدلاً من ذلك إلى المراكز الصيفية الطائفية التي تعد حاضنة أولى للتجنيد، والزج بهم في محارق حروبها العبثية التي لا تنتهي.