الإمامة.. عندما سُرق مستقبل اليمن (1)
"من أراد أن يفهم لماذا تأخر اليمن عشرات السنين، فعليه أن يعود إلى البداية.. فالأمم لا تسقط في يوم واحد، وإنما تُستنزف عبر عقود من الاستبداد والجهل وإهدار الفرص."
عندما يُذكر اليمن اليوم، يتحدث كثيرون عن الفقر والجوع والحروب والانقسام، وكأن هذه الصفات جزء من هوية هذا الوطن. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فاليمن ليس وطنًا فقيرًا، ولم يكن يومًا أرضًا عقيمة، ولم يكن شعبه أقل ذكاءً أو قدرة من شعوب العالم. بل إن الله منح اليمن ما لم يمنحه لكثير من الدول: موقعًا استراتيجيًا يربط قارات العالم، وسواحل طويلة، وأراضي زراعية متنوعة، وثروات طبيعية، وإنسانًا عُرف عبر التاريخ بقدرته على البناء والتجارة والهجرة والعمل.
فلماذا أصبح اليمن في ذيل مؤشرات التنمية؟
من هنا تبدأ قصة اليمن المنهوب.
إن أول من يتحمل المسؤولية التاريخية عن تأخر شمال اليمن هو نظام الإمامة الذي حكم البلاد قرونًا، ورسخ نموذجًا للحكم الوراثي القائم على احتكار السلطة، بينما بقي بناء الدولة الحديثة متأخرًا بصورة كبيرة.
كان العالم يتغير بسرعة.
كانت الدول تبني المدارس والجامعات، وتشق الطرق، وتؤسس الجيوش الوطنية، وتنشئ المستشفيات.
أما اليمن، فكان يعيش في عزلة طويلة جعلته بعيدًا عن موجات النهضة الحديثة.
لقد كان التعليم محدودًا للغاية، حتى أصبحت الأمية هي القاعدة، بينما ظل التعليم النظامي متاحًا لعدد محدود من الناس. وكان حرمان المجتمع من التعليم أحد أهم أسباب ضعف التنمية وتأخر بناء مؤسسات الدولة.
إن الحاكم الذي يخشى انتشار العلم، أو لا يجعله أولوية، لا يبني وطنًا، بل يترك الأجيال أسيرة الجهل، لأن التعليم هو السلاح الحقيقي الذي يحرر الإنسان من الخوف والخرافة والتبعية.
وفي مجتمع تغيب عنه المدارس والجامعات والخدمات الصحية الحديثة، يصبح من الطبيعي أن تنتشر المعتقدات الشعبية غير المبنية على العلم، وأن يلجأ الناس إلى وسائل تقليدية للعلاج وتفسير الأمراض. ولم يكن ذلك عيبًا في الشعب، بل نتيجة مباشرة لضعف التعليم وغياب مؤسسات الدولة الحديثة.
كانت السلطة متمركزة في يد الحاكم، بينما بقيت غالبية اليمنيين تعيش أوضاعًا معيشية صعبة، مع غياب شبه كامل للبنية الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة.
ولم يكن الضرر اقتصاديًا فقط، بل كان فكريًا أيضًا. فعندما يُحرم الإنسان من حقه في التعلم، فإنه يُحرم من القدرة على المشاركة في صناعة مستقبل وطنه.
ولو أن اليمن استثمر خلال تلك العقود في التعليم والإدارة والطرق والصحة، لكان من الممكن أن يدخل النصف الثاني من القرن العشرين وهو يمتلك مؤسسات قوية، وكفاءات وطنية، واقتصادًا أكثر قدرة على النمو.
لكن ذلك لم يحدث.
ولهذا جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، ليس لأنها كانت مجرد تغيير للحاكم، بل لأنها كانت تعبيرًا عن رغبة واسعة في الانتقال من دولة يغلب عليها الحكم الشخصي إلى دولة حديثة تقوم على المؤسسات والعلم والمواطنة.
إلا أن الثورة، رغم أهميتها، لم تكن نهاية القصة.
فقد غادر نظام الإمامة، لكن الصراع على السلطة لم يغادر اليمن.
وهنا تبدأ المرحلة التالية من قصة وطن كان يملك كل أسباب النهوض، لكنه ظل يدفع ثمن الصراعات وسوء الإدارة جيلاً بعد جيل.
وفي الحلقة القادمة سنطرح سؤالًا مؤلمًا:
هل نجحت الجمهورية في تحقيق الأهداف التي قامت الثورة من أجلها، أم أن اليمنيين انتقلوا من معركة إلى أخرى قبل أن يكتمل بناء الدولة؟
مجتهد اليمن يقول:
"أخطر أنواع النهب ليس نهب المال، بل نهب العقول. فعندما يُحرم شعب من التعليم، يُسرق مستقبله قبل أن تُسرق ثرواته."
رسالة إلى شباب اليمن:
لا تدافع عن أي نظام لأنه يحمل شعارًا يعجبك، ولا تهاجم أي مرحلة لمجرد أنك ورثت رأيًا عنها.
اقرأ التاريخ بعقلك، واسأل سؤالًا واحدًا فقط:
ماذا قدم هذا النظام لليمن؟
فإذا كان قد بنى الإنسان، وفتح المدارس، وأقام المؤسسات، وحفظ كرامة المواطن، فاذكر ذلك.
وإذا كان قد نشر الجهل، وعطل التنمية، ورسخ الاستبداد، فليتحمل مسؤوليته أمام التاريخ.
فالأوطان لا تُبنى بالخرافة، ولا تُدار بالعزلة، ولا تنهض إلا بالعلم والحرية والعدالة.
يتبع...