أشلاء على عتبات التوسع.. المستجدات الأخيرة تدفع الحوثي لمضاعفة حشد أبناء القبائل نحو محارق الموت

تفرض المستجدات الميدانية والسياسية الأخيرة واقعاً مأزوماً على مليشيا الحوثي، التي تواجه تضييقاً خانقاً على منافذها البرية والبحرية والجوية، وقطعاً متواصلاً لخطوط الإمداد العسكري الإيراني. 

هذا الاختناق الاستراتيجي، بالتزامن مع الجاهزية والمسنودة إقليمياً ودولياً للقوات الحكومية والمجلس القيادي الرئاسي، دفع بزعيم المليشيا إلى حالة من الذعر والارتباك بدت واضحة في خطاباته الأخيرة، مما جعله يسارع إلى إعلان ما يسمى بالتحذير والنفير.

 هذه التحركات الأخيرة لم تكن سوى غطاء لعملية تعبئة قسرية واسعة النطاق تستهدف ما تبقى من المخزون البشري القبلي، والتضحية بحاضر ومستقبل شباب اليمن عبر سوقهم جماعات إلى خطوط النار الأمامية لإنقاذ هيكل المليشيا المترهل من انهيار وشيك في أي مواجهة مرتقبة.

ولم تعد مواكب التشييع اليومية والمقابر المستحدثة التي تلتهم مساحات واسعة من المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا قادرة على حجب حجم النزيف البشري الهائل، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن المليشيا تمارس ضغوطاً غير مسبوقة على الوجهاء القبليين لتعويض النقص الحاد في صفوف مقاتليها. ويأتي هذا التحشيد المتسارع في ظل انعدام تام للحاضنة الشعبية الحقيقية والاحتقان المجتمعي المتنامي ضد سياسات الإفقار والتجويع، مما جعل المليشيا تلجأ إلى سلاح الترهيب والتهديد المباشر لإجبار القبائل على رفد الجبهات، وتحويل طاقات الشباب اليمني إلى مجرد وقود لمعارك خاسرة لا تخدم سوى الأجندة التوسعية الإيرانية في المنطقة.

المستجدات الراهنة وضغوط طهران لمضاعفة التحشيد

يتجلى للمراقبين للشأن اليمني أن المستجدات السياسية والعسكرية الأخيرة وضعت المليشيا الحوثية بين فكي كماشة، حيث تلقت توجيهات وإملاءات صارمة من القيادة الإيرانية بضرورة التصعيد وتفجير الوضع العسكري لخدمة حسابات طهران الإقليمية.

 وأمام العجز اللوجستي الناجم عن تضييق الخناق الدولي على شحنات الأسلحة المهربة، لم تجد المليشيا من خيار سوى الاستقواء بالمخزون البشري القبلي وتكثيف حملات التعبئة العامة، في محاولة بائسة للهروب من مأزقها العسكري وتصدير أزماتها الداخلية نحو جبهات القتال لإشغال الشارع اليمني عن واقعه المعيشي المتدهور.

هذه الضغوط المستجدة تفسر النبرة المتخوفة لزعيم المليشيا ومسارعتها لعقد اللقاءات القبلية المكثفة تحت مسمى النفير والتحذير، وهي خطوة تعكس إدراك المليشيا أن أي جولة قتال قادمة مع القوات الحكومية المستنفرة كما يبدو والمسنودة بضوء أخضر ودعم إقليمي ودولي كامل ستكون حاسمة. 

لذا، تسابق المليشيا الزمن لجمع أكبر عدد من المجندين الجدد من القرى والمديريات، واضعة إياهم في فوهة المدفع لامتصاص الضربات وتأمين قياداتها وعناصرها العقائدية التي تفضل البقاء في خطوط الدفاع الخلفية وإدارة مصالحها المالية.

استنزاف المخزون القبلي وفرض نظام الحصص الإجبارية

في سياق تلبية متطلبات التصعيد الجديدة، تعمد المليشيا الحوثية إلى تفعيل نظام الحصص الإجبارية على مشايخ طوق صنعاء وعمران وذمار وحجة،  حيث يُلزم كل وجيه قبلي بتجهيز ورفد الجبهات بعدد محدد من الشباب شهرياً. 

هذا الأسلوب يمثل ابتزازاً علنياً للقبيلة اليمنية التي جُردت من مكانتها وتحولت في نظر المليشيا إلى مجرد خزان بشري لا ينضب لرفد محارق الموت، ويتم التعامل مع الرافضين لهذه الأوامر بعقوبات صارمة تشمل العزل ومصادرة الممتلكات والاتهام بالخيانة والتواطؤ مع الشرعية.

إن هذا الاستنزاف المستمر للمخزون القبلي خلف جروحاً غائرة في بنية المجتمع المحلي، حيث باتت الكثير من القرى شبه خالية من فئة الشباب والرجال، بعد أن قادتهم المليشيا إلى محاور قتال وعرة ومن دون تدريب عسكري حقيقي كافٍ.

ويؤكد خبراء عسكريون أن الدفع بهذه الأعداد غير المؤهلة لخطوط التماس يفسر القفزات الكبيرة في أعداد قتلى المليشيا، حيث يُزج بأبناء القبائل كدروع بشرية في الخطوط الأولى لتغطية العجز التكتيكي للمليشيا أمام أي تحصينات دفاعية وجاهزية عالية محتملة للجيش الوطني والقوات المشتركة.

التضحية بحاضر ومستقبل الشباب في دورات الموت

لا يتوقف الخطر الحوثي عند حدود التجنيد المباشر لأبناء القبائل، بل يمتد بشكل ممنهج ليدمر حاضر ومستقبل جيل كامل من الشباب والأطفال في اليمن. 

فقد استغلت المليشيا كل الأعوام الماضية لتحويل المدارس والمراكز الصيفية والمساجد إلى معسكرات تعبئة فكرية وعقائدية متطرفة، يتم فيها غسل أدمغة الصغار والشباب وشحنهم بشعارات الموت والكراهية، تمهيداً لنقلهم المباشر من مقاعد الدراسة إلى متارس القتال ومحارق الموت المشتعلة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي.

إن حرمان الشباب اليمني من حقهم في التعليم والحياة الكريمة وبناء مستقبلهم، وتحويلهم إلى وقود لمشروع طائفي دخيل، يمثل جريمة تاريخية بحق الهوية والمجتمع اليمني.

 هذه السياسة القائمة على تجهيل الشباب وإفقار عائلاتهم لدفعهم نحو التجنيد كوسيلة وحيدة للبقاء، أنتجت مأساة إنسانية واجتماعية واسعة النطاق، حيث تعود النسبة الأكبر من هؤلاء الشباب إلى أهاليهم في صناديق مغلقة، أو يتلقى الآباء أنباء فقدان أبنائهم دون حتى الحصول على فرصة لتوديعهم أو دفن جثامينهم.