هل تملك الشرعية اليمنية شجاعة العبور الأخير؟
لم يعد لدى اليمني ما يخسره سوى قيوده، ولم يعد في جسد هذا الوطن المتخم بالجراح متسعٌ لطعنة جديدة.
سنوات عجاف مرت، تجرع فيها الشعب كؤوس الغصة والانتظار، يقتات على بريق أمل يخبو كلما اشتعل، ويتوسد وعوداً بالحسم والتحرير وبناء الدولة، ما تبرح أن تتحول عند عتبات المصالح الدولية والإقليمية إلى سراب يحسبه الظمآن ماء.
اليوم، يقف اليمنيون من جديد أمام مشهد يعيد رسم ملامح المسرح السياسي والعسكري، خطابٌ رسمي حاد النبرة لمجلس القيادة الرئاسي، استعراضات عسكرية تشي بجاهزية قتالية عالية، وإجراءات حازمة أغلقت الأجواء أمام الغطرسة وضربت أوهام التمكين السلالي في مقتل.
ترافق ذلك مع تحولات إقليمية ودولية بدت وكأنها ضوء أخضر طال انتظاره، لكسر مخالب المليشيا الحوثية التي عاثت في الأرض فساداً، وضربت استقرار المنطقة والعالم.
هذا التصعيد الأخير فتح نوافذ التفاؤل لدى الملايين من التواقين للحرية والجمهورية، والذين أرهقهم مشروع الخرافة السلالية.
لكنه، في الوقت ذاته، قوبل بوجوم وتوجس من قِبل قطاع عريض من الشعب، أولئك الذين لسعتهم سياط التراجع في منعطفات سابقة.
فكم من مرة رفع اليمنيون سقف طموحاتهم، وظنوا أن جحافل النصر قاربت أسوار صنعاء، لينتهي بهم المطاف مرغمين في مربعات اللا حرب واللا سلم، تلك المنطقة الرمادية القاتلة التي استنزفت معايشهم، وأنهكت أرواحهم، وبددت تضحيات الأبطال في جبهات الشرف، تحت لافتة الارتهان للخارج وحسابات التهدئة الإقليمية.
إننا اليوم لا نعيش مجرد جولة تصعيد سياسي أو عسكري عابر، بل نقف أمام امتحان وجودي وتاريخي حاسم للحكومة الشرعية ولمجلس القيادة الرئاسي.
إن هذه الفرصة السانحة ليست مجرد خيار سياسي، بل هي الفرصة الأخيرة للشرعية لكي تحافظ على ما تبقى لها من رصيد في بنك الثقة الشعبي، ولتغسل عن وجهها غبار التردد والتراجع.
إن التراجع اليوم، أو القبول بأنصاف الحلول، أو العودة إلى دياجير الركود والمساومات العبثية بعد كل هذا الصخب، لن يكون مجرد انتكاسة سياسية، بل سيكون بمثابة رصاصة الرحمة على مشروعية هذه السلطة، وإعلان صريح بالخذلان الكامل لشعب لم يبخل يوماً بدمائه وقوته لإسناد دولته.
إذا سقطت هذه الفرصة في فخ التردد، فإن البديل مرعب: قنوط شعبي شامل، ودوامة عبثية متجددة، وتمكين أبدي لمليشيا كهنوتية تستمد بقاءها من عجز خصومها لا من قوتها.
يا قادة الشرعية، إن التاريخ لا يرحم الواقفين في المناطق الرمادية، والشعوب لا تغفر لمن يبيعها الوهم ثم يتركها فريسة للاستبداد والفقر. إن إرادة الشعوب هي مصدر الشرعية الحقيقي، وليس الاعتراف الدولي أو التوازنات الإقليمية.
فإما عبورٌ شجاع نحو استعادة الدولة وإسقاط الانقلاب سلماً أو حرباً كما أعلنتم، وإما سقوط مريع لما تبقى من ماء الوجه أمام شعب لا يطلب منكم مستحيلاً، بل يطلب حريته وكرامته ودولته المسلوبة.
الكرة الآن في مرماكم، والتاريخ يمسك قلمه ليكتب؛ إما قادةٌ سجلوا أسماءهم في أنصع صفحات التاريخ كصنّاع الفجر، أو عابرون تاهوا في دهاليز الوعود، وتركوا وطنهم للريح والخراب.