من مأرب إلى الممرات البحرية.. تصعيد حوثي دموي يختبر جاهزية الحكومة اليمنية

ارتفعت حصيلة الهجوم الصاروخي والطائرات المسيّرة الذي شنته مليشيا الحوثي اليوم الخميس على مواقع عسكرية تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في محافظتي مأرب وحضرموت إلى نحو 80 شهيداً وجريحاً، في تصعيد واسع أعاد ملف الحرب اليمنية إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط اتهامات بأن الهجوم جاء ضمن تحركات إيرانية لتوسيع الضغط العسكري في المنطقة.

ولم تعلن الحكومة اليمنية حتى الآن حصيلة رسمية للضحايا، إلا أن مصادر عسكرية أفادت بأن الهجمات التي استهدفت عدداً من المعسكرات ومواقع تجمع القوات الحكومية أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى من الضباط والجنود، مشيرة إلى أن فرق الإسعاف والطوارئ في مأرب استنفرت لاستقبال المصابين.

وتبنت مليشيا الحوثي في وقت لاحق من اليوم نفسه، الهجوم الإرهابي حيث قالت في بيان إنها نفذت "عملية عسكرية واسعة" باستخدام عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، استهدفت مواقع عسكرية في مناطق الرويك والعبر والثنية ومعسكرات أخرى تابعة للفرقة الأولى والثالثة طوارئ، وأدت إلى سقوط "مئات القتلى والجرحى وتدمير معسكرات وآليات ومخازن أسلحة"، بحسب البيان.

كما توعدت المليشيا المدعومة من إيران بمزيد من التصعيد في حال تعرضت لهجوم مضاد، محذرة السعودية والحكومة اليمنية من "الرد"، ودعت أفراد القوات الحكومية إلى مغادرة مواقعهم العسكرية، في خطاب عدته مصادر عسكرية محاولة لشن حرب نفسية موازية للهجوم الميداني.

رسالة تصعيد تتجاوز الجبهات

وقالت مصادر عسكرية يمنية لوكالة خبر، إن الهجوم الحوثي يحمل رسائل تتجاوز الاستهداف العسكري المباشر، مؤكدة أنه يأتي في سياق محاولة من المليشيا فرض معادلة ردع جديدة بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.

وأضافت المصادر أن توقيت العملية يشير إلى رغبة مليشيا الحوثي في اختبار ردود الفعل الحكومية والإقليمية، خصوصاً مع تزايد الحديث عن احتمالات استئناف العمليات العسكرية ضد المليشيا بعد سنوات من الجمود الميداني.

ويأتي الهجوم في وقت كثفت فيه مليشيا الحوثي عملياتها البحرية ضد السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، بما في ذلك استهداف سفن سعودية خلال الأيام الأخيرة الماضية، إلى جانب تهديدات متكررة للملاحة الدولية، وهو ما دفع دولاً إقليمية ودولية إلى التحذير من تداعيات استمرار التصعيد على أمن خطوط التجارة العالمية.

تحركات إيرانية

وترى مصادر سياسية يمنية أن تصعيد مليشيا الحوثي لا يمكن فصله عن التحركات الإيرانية في المنطقة، مشيرة إلى أن طهران تستخدم الجماعة كورقة ضغط ضمن صراعها الأوسع مع خصومها الإقليميين والدوليين.

وتتهم الحكومة اليمنية ودول عربية إيران منذ سنوات بتقديم دعم عسكري وتقني للحوثيين، يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات العسكرية.

وقالت المصادر إن تزامن التصعيد الحوثي في اليمن مع التوترات المرتبطة بالممرات البحرية في المنطقة يكشف عن محاولات إيران لاستخدام أذرعها الإقليمية لفتح جبهات ضغط متعددة، خصوصاً في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيقي هرمز وباب المندب.

وكانت كشفت مصادر أمنية خاصة لوكالة خبر، عن وصول خبراء من الحرس الثوري الإيراني إلى محافظة الحديدة، على متن رحلة لشركة الطيران الإيرانية "ماهان إير" في 13 يوليو/تموز 2026، والتي نقلت قيادات وسياسيين وإعلاميين تابعين لمليشيا الحوثي كانوا قد شاركوا في تشييع جثمان المرشد الأعلى علي خامنئي، معدة ذلك مؤشراً على استمرار الدور الإيراني في تطوير القدرات العسكرية للجماعة.

استغلال الهدنة

وتقول مصادر سياسية يمنية لوكالة خبر، إن مليشيا الحوثي تستفيد من حالة الهدوء النسبي والضغوط الدولية على الحكومة اليمنية والتحالف العربي للالتزام بمسار التهدئة الذي بدأ عام 2022 برعاية أممية، رغم ما تصفه الحكومة بمئات الخروقات الحوثية خلال الفترة الماضية.

وأضافت المصادر أن المليشيا تواصل عمليات التجنيد والتحشيد في مناطق سيطرتها، مستخدمة خطاباً يربط التصعيد بما تسميه "رفع الحصار"، في محاولة لحشد التأييد الشعبي لمواجهة جديدة.

وتنفي السعودية فرض حصار على الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث أكدت وزارة الخارجية السعودية، في بيان أواخر يوليو الماضي، أن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى استقبلت خلال النصف الأول من عام 2026 مئات السفن المحملة بالغذاء والوقود والبضائع، مشيرة إلى أن الإجراءات المفروضة ترتبط بمنع تهريب الأسلحة وفق قرارات مجلس الأمن، وبينها القرار 2216.

ويرى خبراء عسكريون أن الهجوم الأخير يمثل أحد أكبر التصعيدات العسكرية الحوثية منذ فترة، ويضع جهود السلام اليمنية أمام اختبار جديد، في ظل مخاوف من انتقال المواجهة من عمليات محدودة إلى موجة أوسع من القتال.

وبينما لم تعلن الحكومة اليمنية عن إحصائية بعدد الضحايا حتى اللحظة، أكدت وزارة الدفاع، في بيان، أن القوات المسلحة، سترد على هذا العدوان في الزمان والمكان المناسبين، وأن هذا الهجوم الغادر لن ينال من عزيمة منتسبيها أو يؤثر في قدرتهم على أداء واجباتهم الوطنية، بل سيزيدهم ثباتاً وتماسكاً وإصراراً على الدفاع عن الجمهورية، واستعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب.

وأشار الخبراء إلى أن استمرار الضربات الحوثية داخل الأراضي اليمنية وضد الملاحة الإقليمية قد يدفع الأطراف المحلية والدولية إلى إعادة تقييم مسار التهدئة الذي ظل هشاً منذ بدايته.