44 عاماً على تأسيس المؤتمر الشعبي العام.. ماذا حدث للمشروع السياسي اليمني؟
في خضم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث، يعود الجدل حول طبيعة التجارب السياسية التي قادت البلاد منذ تأسيس الجمهورية إلى الواجهة، وسط صراع ممتد ألقى بظلاله على مؤسسات الدولة والمجتمع، وحوّل اليمن خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لتنافس مشاريع سياسية ومذهبية متباينة.
ويرى محللون سياسيون أن الفارق بين مرحلة تأسيس الأحزاب السياسية ذات الطابع الوطني الجامع، وبين صعود جماعات الإسلام السياسي والمذهبي، يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحولات التي دفعت البلاد نحو الانقسام والحرب، بعدما انتقلت المنافسة السياسية من إطار البرامج الوطنية إلى صراع حول الهوية الدينية والمذهبية والنفوذ.
ويبرز حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي تأسس في 24 أغسطس 1982، باعتباره نموذجاً لتجربة سياسية قامت في بدايتها على فكرة جمع مختلف التيارات تحت مظلة وطنية واحدة، في مرحلة كانت اليمن تعاني فيها من آثار صراعات داخلية وتوترات إقليمية أعقبت عقوداً من الاضطرابات السياسية.
تجربة سياسية توافقية
لم يُبنَ المؤتمر الشعبي العام كحزب أيديولوجي مغلق، بل تأسس كإطار سياسي واسع ووسطي استوعب تيارات مختلفة، من القوميين واليساريين والإسلاميين والمستقلين، تحت سقف "الميثاق الوطني"، بهدف تقليل حدة الصراعات الفكرية والسياسية التي طبعت المشهد اليمني خلال العقود السابقة.
ويقول الكاتب والسياسي ناجي بابكر، لوكالة "خبر"، إن أحد أبرز مكاسب هذه التجربة تمثل في ترسيخ ثقافة الحوار السياسي، وإيجاد مساحة للتنافس داخل المؤسسات بدلاً من الصدام خارجها، وهو ما ساعد على تحقيق قدر كبير من الاستقرار خلال فترة طويلة مقارنة بمراحل سابقة شهدت مواجهات مسلحة بين القوى السياسية.
الوحدة اليمنية والتعددية السياسية
كان تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 أحد أبرز التحولات السياسية في تاريخ البلاد الحديث، بعد اتفاق المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني على إنهاء الانقسام بين شطري اليمن.
ومثلت الوحدة انتقالاً من حالة التشطير السياسي إلى بناء دولة واحدة قائمة على التعددية السياسية، حيث شهدت البلاد أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب في شبه الجزيرة العربية عام 1993، كما أُقرت مؤسسات دستورية قائمة على الانتخابات والتنافس السياسي.
إلا أن هذه التجربة واجهت في النصف الأول من العقد الأول للوحدة تحديات كبرى مع تصاعد التدخلات الخارجية. وظهرت حينها محاولات من قوى محلية دينية وعقائدية وأخرى قومية مدعومة من الخارج لتغيير بنية النظام السياسي. لكن المؤتمر الحاكم نجح في تجنيب البلاد هذا المنعطف، ويرجع الفضل في ذلك إلى ارتكازه على الوسطية بعيداً عن التطرف والتشدد.
صعود الإسلام السياسي
وخلال العقود اللاحقة، تصاعد بشكل لافت حضور جماعات الإسلام السياسي والتيارات ذات الخطاب المذهبي، لتتحول المنافسة السياسية تدريجياً من صراع برامج ورؤى حول إدارة الدولة إلى صراع على النفوذ الديني والاجتماعي والسياسي.
ويؤكد ناجي بابكر، وهو قيادي بارز في حزب الشعب الديمقراطي (حشد)، أن هذه الجماعات أسهمت في إضعاف مفهوم الدولة الوطنية، عبر تقديم الولاءات الأيديولوجية والمذهبية على حساب المؤسسات، ما أدى إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، اندلعت شرارتها الأولى في 2011، وأخذت نيرانها تتسع حتى بلغت ذروتها بانقلاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران في سبتمبر 2014، واجتياح العاصمة صنعاء وتوسعها العسكري في عدد من المحافظات.
ويرى باحثون في الشأن السياسي اليمني أن الحرب الراهنة تتجاوز كونها مواجهة عسكرية، لتكشف عن صراع أعمق بين مشروعين؛ مشروع دولة مدنية تقوم على التعددية والمؤسسات، ومشاريع قوى تسعى لفرض نموذج سياسي قائم على مرجعيات دينية ومذهبية.
إرث الدولة وصراع الجماعات
خلال العقود التي كان فيها المؤتمر الشعبي العام القوة السياسية الرئيسية، شهد اليمن تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية في مجالات الطرق والتعليم والصحة والسدود، إضافة إلى إعادة بناء سد مأرب وتطوير قطاعات النفط والغاز، بعد دخول البلاد مرحلة إنتاج وتصدير الموارد الطبيعية.
كما شهدت تلك المرحلة جهوداً لحل ملفات إقليمية معقدة، أبرزها ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان عبر اتفاقيات رسمية أنهت نزاعات استمرت لعقود، وأسهمت في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وبعد أكثر من أربعة عقود على تأسيس المؤتمر الشعبي العام، يجد اليمن نفسه أمام واقع سياسي مختلف، حيث تراجعت مساحة العمل الحزبي لصالح قوى مسلحة وجماعات أيديولوجية فرضت حضورها عبر القوة العسكرية.
ويؤكد الباحثون أن استعادة الاستقرار في اليمن تتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، وتعزيز التعددية السياسية بعيداً عن مشاريع الإقصاء الديني أو المذهبي، باعتبار أن استمرار صراع الهويات سيبقي البلاد عالقة في دائرة الحرب والانقسام.
ويضيفون أن تجربة الأحزاب السياسية الوطنية، رغم ما شابها من أخطاء وانتقادات، كانت تقوم على مبدأ المنافسة داخل إطار الدولة، بينما أدى صعود الجماعات العقائدية المسلحة إلى نقل الخلاف السياسي من ساحات الحوار إلى ميادين الصراع، وهو ما دفع اليمن إلى واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والسياسية في العصر الحديث.