تحت وطأة الاستنزاف.. الحوثيون بين خسائر الجبهات وتآكل قبضتهم الداخلية
تشهد مناطق سيطرة مليشيا الحوثي أزمة متسارعة تجمع بين الاستنزاف البشري في جبهات القتال، وتدهور الظروف المعيشية، وتراجع القدرة الإعلامية، في وقت تعلن فيه القوات الحكومية اليمنية تقدماً ميدانياً في تعز ولحج والجوف وتكبيد المليشيا خسائر بشرية ومادية. وتكشف المعطيات العامة والميدانية المتاحة عن معركة استنزاف طويلة، لا مجرد مواجهات متقطعة.
استنزاف بشري في الجبهات
أعلنت القوات الحكومية اليمنية أنها أحصت نحو 16,100 عنصر وقيادي حوثي قُتلوا وجُرحوا منذ 5 أكتوبر، فيما ذكرت تقارير حكومية أخرى تحييد نحو 20 ألف عنصر وتدمير أو إعطاب أكثر من 5 آلاف آلية خلال شهر من العمليات.
وتعكس هذه الحصيلة حجم التصعيد والاستنزاف الذي تدخل فيه مليشيا الحوثي دورة متصاعدة من الحشد والتعويض.
وفي المقابل، اعترفت المليشيا بمقتل 86 من عناصرها بينهم 31 ضابطاً خلال أسبوع واحد، وهو رقم يُعد مهماً إذا ما قورن بسياسة الحد من نشر الخسائر.
كما أفادت مصادر ميدانية بارتفاع القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين في جبهات تعز والضالع والجوف، وسط معارك متبادلة ومحاولات متكررة لاستعادة مواقع فقدتها.
سقوط القيادات وضربات جوية
لا تقتصر الخسائر على المقاتلين، بل تمتد إلى البنية القيادية والعتاد الثقيل. حيث أفادت مؤخراً القوات الحكومية باستهداف تجمعات وآليات حوثية في جبهتي الأقروض والربيعي بتعز، بالتزامن مع ضربات جوية وقصف مدفعي، بينما أعلنت استعادة مواقع استراتيجية في مديرية المقاطرة بلحج ومحاور في الجوف.
وتشير هذه الضربات إلى أن المليشيا تواجه صعوبة متزايدة في حماية منظوماتها العسكرية ومنصاتها وآلياتها من الرصد والاستهداف.
كما أن فقدان القيادات الميدانية يضاعف أثر الخسائر، لأنه يربك سلاسل القيادة ويفرض على المليشيا إعادة بناء شبكاتها داخل مناطق التماس.
احتقان اجتماعي تحت الرماد
في الداخل، يزداد الاحتقان الشعبي في مناطق سيطرة المليشيا مع تفاقم الأزمة المعيشية وتوقف الرواتب واستمرار الحرمان من الخدمات الأساسية.
وتشكل هذه الظروف ضغطاً مباشراً على المليشيا محلياً، لا سيما حين يُطلب من الشباب الانخراط في الجبهات بينما تعاني أسرهم من انقطاع الدخل وارتفاع الأسعار.
ويصبح الاستنزاف البشري هنا مرتبطاً بأزمة اجتماعية أوسع، إذ يتحول التجنيد إلى عبء إضافي على مجتمعات منهكة بالحرب والفقر.
تجنيد الأطفال يفجّر الغضب
يظل تجنيد الأطفال من أكثر الملفات التي تعزز من رفض المليشيا داخلياً وخارجياً.
فقد وثقت الأمم المتحدة تجنيد 334 طفلاً في الفترة المشمولة بتقريرها، ونسبت العدد الكبير جداً الي الحوثيين، فيما وثقت تقارير أخرى تجنيد 262 طفلاً واستخدام 188 منهم في أدوار قتالية.
وتثير هذه الممارسات رفضاً متزايداً بين الأسر والناشطين، والمجتمع ككل لأنها تحوّل الأطفال من ضحايا الحرب إلى مشاركين فيها.
كما تمنح الإعلام الحكومي ومنظمات المجتمع المدني مادة توثيقية قوية تؤكد انتهاكها لحقوق الأطفال ويحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار الحرب.
تراجع إعلامي وصورة متآكلة
كما يواجه الإعلام التابع للمليشيا تراجعاً في قدرته على إدارة الرواية، نتيجة تزايد الخسائر الميدانية، وتدفق صور المعاناة الإنسانية من مناطق سيطرتها، وتنامي التغطية الدولية لانتهاكات الحرب. ولم يعد من السهل احتواء انطباع الجمهور حين تترافق دعوات الحشد مع تقارير عن تجويع وحصار وتجنيد قسري.
في المقابل، بات الإعلام الحكومي ومكونات الصف الجمهوري المناهض للمليشيا أكثر قدرة على نشر بياناتها الميدانية وتوثيق تقدم القوات الحكومية.
كما أن تكرار الرسائل حول الخسائر والانتهاكات يوسع أثرها السياسي حتى مع اختلاف دقة التفاصيل.
عزوف عربي بعد استهداف المدنيين
ساهم استهداف المطارات والمنشآت المدنية في السعودية في تراجع التعاطف العربي مع المليشيا وتوسيع جبهة إدانتها. وقد أدانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الهجمات المتكررة على مطارات سعودية، بما فيها الهجوم على مطار الرياض الرئيس، الذي أسفر عن مقتل وإصابة عشرات السعوديين والأجانب.
كما أعلنت المليشيا استهداف مطارات أبها ونجران والدمام وقاعدة الملك خالد الجوية، في خطوة عززت تصورها كطرف يوسع الحرب إلى البنية المدنية والإقليمية. وتجعل هذه العمليات من الصعب على أي طرف عربي تقديم غطاء سياسي أو إعلامي للمليشيا، خصوصاً مع استمرار حصار تعز وتعطيل حركة المدنيين والمساعدات.
تعز رمز الحصار والأزمة الإنسانية
تبقى تعز المؤشر الأكثر حساسية على الكلفة الإنسانية لسياسات المليشيا. فقد نجح الصليب الأحمر في إيصال أول شحنة مساعدات طبية منذ أسابيع إلى المدينة المحاصرة، فيما حذرت الأمم المتحدة من كارثة إنسانية بسبب استمرار إغلاق الطرق وتعطل الإمدادات.
ويمنح هذا الملف القوات الحكومية، مرجعية أخلاقية إضافية في مواجهتها الميدانية والإعلامية. فكل عملية لفتح ممر أو إيصال مساعدات تُقدَّم كدليل على أن المعركة ليست اقتتالاً داخلياً فحسب، بل محاولة لكسر حصار يهدد حياة المدنيين.
معركة استنزاف لا حسم سريع
رغم تراكم الضغوط، لا تعني هذه المؤشرات بالضرورة انهياراً وشيكاً للحوثيين؛ فهي ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية وأدوات قمع داخلية وقدرة على الحشد. لكن الجمع بين خسائر الجبهات، وأزمة المعيشة، وتجنيد الأطفال، والعزلة الإقليمية، وتراجع الرسالة الإعلامية، كل ذلك يضعها أمام معادلة أصعب: الاستمرار في الحرب يزيد حدة الاستنزاف، بينما التراجع يهدد سيطرتها السياسية ووجودها بالأصل.
وبذلك تتحول الجبهات اليمنية إلى اختبار لا للقوة النارية فقط، بل لقدرة المليشيا على الحفاظ على تماسكها وقبضتها المحلية.
ومع استمرار الضربات الحكومية وتصاعد الكلفة الإنسانية، يبدو أن معركة الاستنزاف دخلت مرحلة أكثر إلحاحاً يزداد فيها ثمن الحرب على المدنيين قبل أن يُحسم مصير المواقع الميدانية.