نُذُر تقرير بان كي مون- هل يستنفرون قبل فوات الأوان؟

باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.
 
"إنّ الضغوط التي تمُارس مؤخّرا على تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا قد تحمل عناصره، بمن فيهم المقاتلين الأجانب، على نقل مواقعهم وإعادة التجمّع في خلايا أصغر وأكثر انتشارا جغرافيا، عبر ليبيا وفي الدول المجاورة"! الأمين العام للأمم المتحدة.
 
هذا ما نقله ذلك القلِقُ أبدا، بان كي مون، أمين عام هذه المنظمة العتيدة،  المسمّاة أمما متحدة، في تقرير سرّي يحذّر من أن تنظيم داعش، قد تدفعه  عملية “البنيان المرصوص” ومُهاجمة معقله في سرت، إلى “تشكيل خلايا جديدة في مناطق أخرى في ليبيا.. و في شمال افريقيا!
 
بان كي مون شدّد في تقريره، على أن ” هزيمة التنظيم”، الذي يُسمح له بالتمدّد والتنفّذ شرق وغرب هذا الوطن الذي يشرّحه مشرط خرائطهم الجديدة، لا يغرنّكم هذا التحالف الأممي الستيني، الذي يصرّ أن يعجز على استعادة قرية! وإذا استعادها غيره، هبّ سريعا، إلى نجدتهم بإطلاق حشود “معتدليه” أو مشتقاتها ممّا شابه ما سُمّي ب”الفرقة 30″، الذين قيل لنا إن وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية قد “انتقتهم”، من بين حوالى 7 آلاف “متطوّع″ بهدف “التصدي لتنظيم داعش”، وبكلفة 42 مليون دولار!، والعهدة على البنتاغون، ثم التحقوا ب”جبهة النصرة”، بمجرّد أن دخلوا التراب السوري! 
 
أو بهذه التي يعلون –اليوم- نجمها التي باتت تُعرف ب”قوات سوريا ديمقراطية”، في اغتصاب للإدراك والمعاني، شدّد في هذا التقرير المُوجّه إلى مجلس الأمن الدولي، على أنّ هزيمة مسلّحي داعش  “تبدو” وفقط تبدو في “متناول اليد”! “ما يدفع بالعديد من المقاتلين”، وهنا وجبت قراءة السطور وبينها، بدل التطاحن حدّ الاقتتال  –تشفيا أو انتشاءا أو حسرة- على شأن تركي لمّا تتكشّف خيوطه ولا لاعبوه ولا مضاعفاته لا تركيا ولا اقليميا ولا دوليا- “على الفرار جنوبا وغربا”.. وإلى تونس!! هل تعون وتفقهون معاني ذلك؟! أم ستستمرّون-من أعلى الهرم المصرّ على الذهاب إلى السفارة للتعزية وكان بالإمكان أداء الواجب من القصر ذاته! إلى أضلعه المتناحرة بخصوص الشأن التركي واللا مبالية بما تؤول إليه الأمور بفضل سياساتهم وحوكمتهم الرشيدة، تستمرّون في خوض حروب طواحين الريح مثل الدونكيشوتات؟!
 
أحرى بكم –يا سادة- من بان كي مون، صاحب القلق المزمن، أن تستشعروا ما يغمز إليه في قوله:
 
– “إن تأثير انتشار مقاتلي تنظيم داعش على مجموعات مسلّحة في الجنوب قد يصبح في المستقبل مصدر قلق”!،
–       إن “أموالا تُرسل من ليبيا إلى “جماعة أنصار بيت المقدس″، التي أعلنت موالاتها إلى الفرع المصري لتنظيم داعش، الناشطة في سيناء مصر”،
–      و “أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي الناشط في مالي وكامل منطقة الساحل، ما زال يحصل على الأسلحة والذخائر من ليبيا”،
–      و”أن الجزائري مختار بلمختار، زعيم “جماعة المرابطون”، المتطرّفة والناشطة في منطقة الساحل، ينتقل بسهولة من وإلى ليبيا”،
 
– كما “أن اياد اغ غالي، زعيم جماعة أنصار الدين المالية، لديه قاعدة في جنوب ليبيا”،
 
– فضلا عن إشارته الواضحة، وضوح الشمس في كبد ظهيرة، التي يؤكّد فيها على “أنّ عشرات المقاتلين التونسيين عادوا إلى بلادهم وبنيّتهم تنفيذ اعتداءات”!!!
 
ألم يحن بعد الوقت لمراجعة هذه الإستراتيجيات التي تستأنس بمقاربات هؤلاء الذين يقايضوننا “أمنا” بوصاية خارجية، أما آن الأوان لفكّ الإرتباط بمن يثبت يوميا تورّطهم في السماح  لل”طفل الوحشي لتقلّب وغطرسة السياسة الغربية”، على حدّ قول رئيس وزراء فرنسا الأسبق، دومينيك دو فيلبان،Dominique de Villepin ، بالتمدّد -شرقا وغرقا- يهشّون به على مصالحهم ولهم فيه المآرب الأخرى؟
 
يا سادة لو أمّنت لهم داعش مصالحهم، وهي تفعل، فسيتعايشون معها ولن يرفّ له جفن! وهم “يتعايشون” وبعبعهم الذي فرّخوا تنظيماته وموّلوه ودرّبوه وسلّحوه، يرسلونه أين ومتى شاؤوا وفق أطلس الموارد،  في زمن حروب الجيل الرابع التي رسموا بأدواتها خرائط الفوضى الدامية، التي يختزل ملامحها من ينعانا خرائط سايكس-بيكو اعدادا لخرائط جديدة، كمدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق مايكل هايدن، Michael Hayden، الذي يصرّح منذ الآن: “إنّ سوريا لم تعد موجودة، والعراق انتهى، ولن يعودا الى ما كانا عليه، وإن لبنان يتفكّك، وليبيا في خبر كان”! فهل يسمع المسؤولون التونسيون مثل هذه التصريحات من هؤلاء الذين يفترض أننا “شركاؤهم” و”حليفهم الإستراتيجي”؟!
 
هؤلاء الذين يُراد لنا أن نقنع بقدر وصايتهم المحتوم ليسوا معنيّين مطلقا بمحاربة تنظيم داعش إلاّ بالقدر الذي يؤمّن لهم مصالحهم الحيوية.. مصالحهم فقط! هذه الحقيقة المرّة التي لا يريد أن يستوعبها من يمارسون حالة الإنكار الشيزوفريني!
 
ألم يحن الوقت للتعويل أخيرا على الإمكانات الذاتية والإقليمية مع أشقائنا المعنيين بمحاربة هذه التنظمات والمكتوين بنيرانها، لتكوين هياكل عسكرية وأمنية واستخباراتية مشتركة تتولىّ التصدي –فعليا- للإرهابيين دون أجندات خارجية، أمريكية كانت أو أطلسية أم غربية، لا يعنيها غير مقدّرات ليبيا، إعدادا لإلحاق الجزائر، الجائزة الكبرى، إلى مسارح الخراب المعمّم والممنهج، فمشرط أرخبيلات الكيانية وبانتوستونات الطائفية النازفة!
 
دعوا تركيا، والشأن التركي، للأتراك هم أدرى بشعابهم وبشؤونهم وانقلاباتهم وديمقراطيتهم، واجترحوا حلولا لهذا الطوفان الذي يتهدّدنا، قبل فوات الأوان!
 
* "رأي اليوم"