ما هي الخطيئة الكبرى التي ارتكبها السفير السعودي السبهان؟

العلاقات السعودية العراقية ظلت متوترة طوال الخمسة والعشرين عاما الماضية، بغض النظر عن من يجلس في مقعد القيادة في العراق، ومذهبه وعقيدته، سنيا كان ام شيعيا، وهناك من يعيد جذور الخلاف بين البلدين الى ما قبل الاسلام، وهذه مسألة اخرى ليس هذا مكان نقاشها في هذه الزواية، التي تتناول الازمة الدبلوماسية الاحدث في علاقات البلدين.

المملكة العربية السعودية استدعت نصف مليون جندي امريكي لمحاربة الرئيس العراقي صدام حسين، واخراج قواته من الكويت التي اجتاحتها قواته صيف عام 1990، وغطت نفقات الحرب لاخراجها بالكامل، ولعبت الدور الابرز في تخفيض اسعار النفط الى ما دون العشرة دولارات للبرميل قبيل انتهاء الحرب العراقية الايرانية لاستفزازه من خلال ارهاق اقتصاده المستنزف من جراء تلك الحرب التي استمرت ثماني سنوات، وكانت لحمايتها، ومنع وصول لهب الثورة الخمينية الى داخل حدودها وحلفائها الخليجيين.

الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين من قبل الغزو الامريكي بعد حصار خانق استمر اكثر من 13 عاما، اثلج صدر القيادة السعودية في حينها حتما، لانه خلصها من نظام حكم قوي طموح، كانت تعتقد انه يشكل خطرا عليها ومنطقة الخليج بأسرها، ولكن هذه القيادة، لم يخطر ببالها ان البديل سيكون اكثر خطرا، لانه سيشكل قاعدة مذهبية وسياسية وعسكرية قوية حليفة لايران.

الازمة الدبلوماسية المتفاقمة حاليا بين المملكة العربية السعودية والعراق، التي تشكل تصريحات السفير السعودي ثامر السبهان مجرد “الواجهة” لها، ليست مفاجئة، وتعكس الكراهية المدفونة تحت طبقات سميكة من النفاق المتبادل، مثلما تعكس تخبط قيادتي البلدين ايضا.

استئناف العلاقات بين البلدين يعود بجذوره الى كانون الاول (ديسمبر) عام 2015، وبعد اقل من شهر من فتح السفارة السعودية في بغداد، استدعت وزارة الخارجية العراقية السفير السبهان للاحتجاج على تصريحات ادلى بها عن “الحشد الشعبي” الى محطة تلفزيون “السومرية” العراقية في كانون الثاني (يناير) الماضي، وطالب فيها هذا “الحشد” بترك مهمة قتال “الدولة الاسلامية” لقوات الجيش العراقي الرسمي، والقوات الامنية العراقية تجنبا لتأجيج التوترات الطائفية، وذهب السفير السبهان الى ما هو ابعد من ذلك عندما “شدد على ان رفض الاكراد واهالي محافظة الانبار (السنة) دخول الحشد الشعبي الى مناطقهم يبين عدم مقبوليته.

من قبل المجتمع العراقي”، واتهم الجماعات التي تقف وراء احداث المقدادية في محافظ ديالي “بأنها لا تختلف عن داعش”، في اشارة صريحة لقوات الحشد هذه.

ليس من عادة السفراء السعوديين تبني مواقف سياسية على هذه الدرجة من الجرأة والوضوح، وكانت فضيلة الصمت من الصفات الدبلوماسية المميزة لهم عن اقرانهم العرب الآخرين، الامر الذي اصاب الصحافيين المطالبين بتعليقاتهم، وردود افعالهم، تجاه احداث معينة بضغط الدم والاحباط معا، ولذلك كان السفير السبهان حالة استثنائية لافتة للنظر، ومزعجة في الوقت نفسه لمضيفيه العراقيين في بغداد، وهذا ما يفسر مطالبة قيادة “الحشد الشعبي” العراقي بمعاقبته وطرده، ووصف السيد احمد الاسدي المتحدث باسم الحشد، وغالبيته من المقاتلين الشيعة، تصريحات السفير السبهان بأنه “تجاوز كل حدود اللياقات الدبلوماسية” لـ “وقاحتها”، بينما ايد هذه التصريحات للسفير السبهان النواب والكتل السنية في البرلمان العراقي، مما يعكس حجم الانقسام الطائفي في العراق اولا، وحول السفير السعودي وبلاده ثانيا.

وزارة الخارجية العراقية استسلمت، فيما يبدو، للضغوط من قبل الكتل الشيعية، المطالبة بطرد السفير السعودي، وطالبت امس الرياض رسميا باستبدال سفيرها السبهان وارسال سفير آخر يحل محله، وعزت قرارها هذا الى “سلسلة من التصريحات والمواقف الاعلامية التي صدرت عنه، واعتبرت تجاوزا لحدود التمثيل الدبلوماسي”، وقال المتحدث باسم الخارجية العراقية السيد احمد جمال “ان آخر هذه التصريحات ما ادعاه السفير عن وجود مخطط لاغتياله في بغداد تقف خلفه بعض الميليشيات”، واضاف طالبنا الجانب السعودي بتقديم ادلة او وثائق تثبت وجود هذا المخطط ولم تتم الاستجابة لهذا الطلب”.

لا نعتقد ان السعودية تملك ادلة موثقة، لان من سيقدم على اغتيال سفيرها لن يقدمها لها حتما، ولكن هناك “اجواء” في بغداد وتصريحات على لسان نواب ومسؤولين تجعل من استمرار تواجد السفير السعودي في سفارته محفوفا بالمخاطر، ويمكن الاشارة في هذا الصدد الى تصريح للنائبة عن التحالف الحاكم السيدة عواطف نعمة، ادلت به الى قناة “السومرية”، وقالت فيه “يجب ابعاد السفير السعودي فورا او انه سيلاقي ما لا يحمد عقباه”.

السلطات السعودية قد لا تكتفي بسحب سفيرها السبهان من بغداد، وانما قد تلجأ الى اغلاق السفارة لسعودية برمتها، وقطع العلاقات، اسوة بما فعلت قبل بضعة اشهر عندما تم اقتحام سفارتها في طهران احتجاجا على اعدام الداعية الشيعي المعروف السيد نمر النمر، وقبل مرور عام على فتحها.

من يتابع الاعلام السعودي الرسمي ومقالات كتابة التي تعتبر العراق ولاية ايرانية، وتتبنى نهجا مذهبيا متطرفا، والهجوم المقابل في الصحف العراقية على المملكة وسياساتها، يدرك جيدا ان وجود سفير سعودي في بغداد، ونظير عراقي له في الرياض، كان نوعا من “التكاذب الدبلوماسي”، ويبدو ان هذا التكاذب اقترب من نهايته، لان وجود السفارتين لم يكن الهدف منه، مثلما يتبين لنا وللكثيرين غيرنا، لم يكن تحسين العلاقات، وانما توتيرها.