ارتفاع معدلات الانتحار في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي وتفاقم الأزمات الإنسانية والنفسية للسكان
تحت وطأة تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، تشهد عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات حالات الانتحار وما يُوصف إعلامياً بإنهاء الحياة. تأتي هذه الظاهرة في سياق آثار الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، التي خلفت مأساة إنسانية شاملة تتجاوز التدمير المادي لتطال الصحة النفسية للمواطنين. لم تعد حالات اليأس الفردية معزولة أو غير ذات دلالة، بل باتت مؤشرًا على مستويات متصاعدة من الضغط النفسي الاجتماعي والاقتصادي لدى شرائح واسعة من السكان.
في السنوات الأخيرة، ربطت منظمات حقوقية محلية وبيانات غير رسمية بين ارتفاع الحالات والظروف الصعبة التي يعيشها اليمنيون في المناطق الخاضعة للسيطرة الحوثية، حيث تفاقمت معاناة الأسر بفعل فقدان مصادر الدخل، وتراجع خدمات الرعاية الصحية، وانعدام فرص التعليم والعمل، إضافة إلى بيئة أمنية مغلقة تضيق على المواطنين وتحد من حرياتهم الأساسية.
العوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة
تعد الظروف الاجتماعية والاقتصادية من أبرز عوامل الضغط التي تساهم في تفاقم الضغوط النفسية لدى الأفراد. في العديد من هذه المناطق، توقفت الرواتب منذ سنوات طويلة، الأمر الذي دفع ملايين الأسر إلى شفير الفقر المدقع. ارتفاع أسعار السلع الأساسية وانعدام الأمن الغذائي يضاعف من أعباء الحياة اليومية، بينما تتلاشى آليات الدعم الاجتماعي التقليدية في المجتمع، مما يترك الكثيرين بدون شبكة أمان.
كما أن تدهور الخدمات الصحية، وعلى رأسها خدمات الصحة النفسية، أسهم في ترك الأفراد الذين يعانون من الضغوط الذهنية والاجتماعية بدون دعم متخصص. يواجه هؤلاء تحديات في الوصول إلى المراكز الصحية أو الحصول على المشورة العلاجية، في ظل نظام صحي منهك بالفعل بفعل الحرب والإهمال.
الأثر النفسي للنزوح وفقدان الأمل
علاوة على الضغوط الاقتصادية، تسبب النزوح القسري والتهجير في خلق حالة من الانقطاع عن الجذور الاجتماعية والثقافية العميقة التي غالباً ما تمنح الأفراد شعوراً بالاستقرار والانتماء. يعيش الكثير من اليمنيين تحت رحمة ظروف لا يستطيعون السيطرة عليها، مما يؤدي إلى شعور بالفراغ وفقدان الأمل في المستقبل.
وقد لاحظ عاملون في منظمات غير حكومية أن فئات الشباب والأطفال والأسر المتضررة بصورة مباشرة من الصراع تعاني من مستويات عالية من التوتر النفسي، مع ازدياد أعداد من يواجهون صعوبات في التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته الحرب. هذا الإرهاق النفسي المتواصل يشكل أرضية خصبة لتفاقم مشاعر اليأس، خصوصاً عندما تترافق مع غياب آفاق واضحة للتحسن.
انعكاسات القيود الأمنية والحرية
تلعب القيود الأمنية التي تفرضها المليشيا دوراً إضافياً في زيادة الشعور بالعزلة والاضطراب النفسي. تشير تقارير محلية إلى أن فرض المراقبة والتحكم في الحياة اليومية يحد من قدرة الأفراد على التعبير عن مخاوفهم أو طلب الدعم. في بيئة يشعر فيها الناس بأنهم مراقبون أو معرضون للعقاب إذا عبروا عن آرائهم أو معاناتهم، يتعمق الشعور بالوحدة والعجز، ما يزيد من تفاقم التوتر النفسي.
تؤثر هذه القيود أيضاً على حرية الحركة والحصول على فرص العمل والتعليم، مما يحول الحدود الجغرافية والسياسية إلى حواجز إضافية أمام سعي الأفراد إلى تحسين ظروفهم الحياتية أو البحث عن دعم نفسي واجتماعي خارج إطار المجتمع المحلي.
دور المؤسسات الاجتماعية في التصدي للأزمة
في مواجهة هذه التحديات الإنسانية، تبرز الحاجة الملحة لتفعيل دور المؤسسات الاجتماعية والأهلية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي. بعض المنظمات المحلية تبذل جهوداً لتقديم المشورة النفسية في المجتمعات المتضررة، إلا أن مواردها غالباً ما تكون محدودة، ولا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة. كما تواجه هذه المؤسسات عقبات في التنسيق مع الجهات المسيطرة، ما يحد من انتشار خدماتها وتوسعها.
ينادي مختصون في الصحة النفسية بضرورة تبني برامج دعم شاملة تشمل التوعية المجتمعية، وتدريب العاملين في خدمة المجتمع على مهارات التدخل الأولي في الأزمات النفسية، بالإضافة إلى توفير خدمات استشارية متاحة للجميع. هذه الجهود يمكن أن تسهم تدريجياً في بناء شبكة حماية مجتمعية تقلل من مخاطر تفاقم حالات الضغط النفسي الشديد.
تأثيرات طويلة الأمد على المجتمع اليمني
تداعيات ارتفاع معدلات اليأس النفسي لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تمتد لتؤثر على البنية المجتمعية ككل. الأطفال والشباب الذين ينشأون في بيئة تشهد مستويات عالية من التوتر النفسي قد يواجهون تحديات في النمو النفسي والاجتماعي، مما ينعكس على قدراتهم التعليمية والمهنية في المستقبل. هذا بدوره يؤثر على قدرة المجتمع على التعافي وإعادة بناء ذاته بعد انتهاء الصراع.
كما أن عدم معالجة هذه القضايا على المدى الطويل قد يؤدي إلى زيادة في معدلات العنف الأسري، تراجع في الإنتاجية الاقتصادية، وإضعاف في التماسك الاجتماعي، وهي آثار تتطلب استراتيجيات وطنية متكاملة للمواجهة والعمل الجماعي للتخفيف من تبعات الأزمة.
دعوات للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية
في ظل هذه المعطيات، تتوجه دعوات من منظمات حقوقية وإنسانية إلى المجتمع الدولي والمنظمات الأممية لتكثيف دعمها لبرامج الصحة النفسية والاجتماعية في اليمن، بما يشمل تدريب الكوادر المحلية، وتوفير الموارد اللازمة لتوسيع نطاق الخدمات. كما يطالب بعض الخبراء بضرورة تضمين الصحة النفسية كجزء أساسي من أي خطة إنسانية مستقبلية لدعم اليمن، لما لها من تأثير مباشر على استقرار الأسر والمجتمعات.
يبقى التحدي الأكبر في قدرة الجهات الفاعلة على تحويل هذه الدعوات إلى خطوات عملية ملموسة، تلامس احتياجات الناس في أماكن تواجدهم وتوفر لهم فرصاً حقيقية للتحسن. فبدون معالجة الأبعاد النفسية والاجتماعية لأزمة الحرب، ستظل آثارها ممتدة حتى بعد انتهاء النزاع الحوثي المسلح وانقلابه علي الدولة وهيمنته علي المال والخدمات وتضيقه علي الحقوق والحريات