بين إرث الثورة وطموح الحكم الذاتي.. هل تملك الحركة الكردية مفتاح التغيير السياسي في إيران؟
تساءلت الباحثة المتخصصة في الأمن الدولي بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا، شكرية برادوست، عما إذا كانت الحركات الكردية قادرة على لعب دور في تشكيل مستقبل إيران السياسي، في ظل الاضطرابات التي تشهدها البلاد.
وفي تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط، وترجمته إلى العربية وكالة خبر، حمل عنوان "كيف تحوّل الأكراد الإيرانيون إلى قوة سياسية وماذا قد يعني ذلك لمستقبل إيران"، ترى الباحثة أن الجماعات الكردية في إيران لا تزال من بين أكثر قوى المعارضة تنظيماً في مواجهة النظام.
وتشير إلى أن عدداً من هذه الحركات يمتلك جذوراً تمتد لعقود طويلة، بعضها يعود إلى ما قبل الثورة الإيرانية عام 1979، إضافة إلى امتلاكها أجنحة مسلحة وشبكات سياسية واجتماعية ترتبط بالمجتمعات الكردية في العراق وربما في تركيا.
وتوضح الباحثة أن الأحزاب الكردية في إيران، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كومالا، كانت قد أسست قبل الثورة شبكات تنظيمية عابرة للحدود داخل كردستان العراق، حيث عملت على تدريب مقاتلين والحفاظ على قنوات اتصال سياسية مع الأكراد داخل إيران.
ووفقاً للباحثة، فقد مكّنت هذه الشبكات تلك الحركات من التحرك بسرعة عندما بدأت سلطة الدولة الإيرانية بالتراجع خلال مرحلة الثورة.
وتضيف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني أنشأ قبيل الثورة بنية تنظيمية متقدمة، من بينها لجنة عُرفت باسم "زاغروس" عام 1978.
كما شهدت المناطق الكردية احتجاجات مبكرة بعد وفاة عزيز يوسفي، وهو سجين سياسي كردي وعضو في اللجنة المركزية للحزب، توفي بعد فترة قصيرة من الإفراج عنه عقب عقود من السجن في عهد الشاه.
تقدم سريع للقوات الكردية
وبحسب التحليل، فإن الأشهر الأولى التي أعقبت الثورة شهدت تقدماً سريعاً للقوات الكردية المسلحة في مدن كردستان إيران، حيث فرضت سيطرة فعلية على مناطق واسعة.
وشُكلت آنذاك إدارات محلية ومجالس بلدية حاولت تنظيم الحكم المحلي والحفاظ على الاستقرار وسط الفوضى التي كانت تعم البلاد.
وتشير الباحثة إلى أن المناطق الكردية بدت لفترة قصيرة من أكثر مناطق إيران تنظيماً سياسياً بعد الثورة.
غير أن قادة الأكراد سعوا في البداية إلى التوصل إلى تسوية سياسية مع السلطة الجديدة في طهران للحصول على حكم ذاتي إقليمي، وهو مطلب رفضه آية الله روح الله الخميني، الذي اعتبر الحركة الكردية تهديداً لوحدة البلاد وأعلن ما وصفه بـ"الجهاد" ضدها.
وقد أدى ذلك إلى اندلاع مواجهة مسلحة طويلة بين القوات الكردية والدولة الإيرانية.
وخلال السنوات اللاحقة، تمكنت القوات الكردية من الاحتفاظ بنفوذها في أجزاء من المنطقة حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مستفيدة من الاضطرابات التي رافقت الحرب بين إيران والعراق.
ورغم فقدانها السيطرة على المدن الرئيسية بحلول عام 1983، فإنها واصلت نشاطها المسلح في المناطق الريفية حتى أواخر العقد، قبل أن تنسحب تدريجياً إلى المناطق الجبلية على الحدود مع كردستان العراق.
ومع بداية التسعينيات، بدأ ميزان القوى يميل لمصلحة الدولة الإيرانية، نتيجة سنوات من المواجهة العسكرية والانقسامات الداخلية بين القوى الكردية، إضافة إلى ضغوط سياسية من سلطات إقليم كردستان العراق.
وفي عام 1996 توصلت أحزاب كردية إيرانية إلى تفاهم مع سلطات الإقليم يقضي بعدم استخدام أراضيه لشن هجمات مستمرة داخل إيران.
وتقول الباحثة إن هذا التحول دفع الحركات الكردية إلى إعادة النظر في استراتيجيتها، فانتقلت من التركيز على العمل المسلح إلى النشاط السياسي والمدني والتنظيم الاجتماعي داخل المجتمع الكردي الإيراني.
وأسهم هذا النهج في الحفاظ على نفوذ تلك الأحزاب رغم تراجع المواجهات العسكرية مع طهران، كما ساعد على ربط المطالب الكردية بقضايا أوسع مثل الديمقراطية والحقوق السياسية واللامركزية.
ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن محاولات الأكراد للمشاركة السياسية داخل إيران واجهت عراقيل كبيرة. ففي بداية عهد الرئيس محمد خاتمي، شجعت أحزاب المعارضة الكردية أنصارها على المشاركة في الانتخابات البرلمانية بدلاً من مقاطعتها، وشارك عدد كبير من الناخبين الأكراد في الاقتراع. لكن استمرار الاعتقالات وقمع الاحتجاجات أضعف الآمال في حدوث إصلاح سياسي حقيقي.
وتصاعد التوتر لاحقاً في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد. ففي عام 2005 قُتل الناشط الكردي شوانا قادري في مدينة مهاباد على يد قوات الأمن، ما أثار احتجاجات واسعة استمرت أسابيع في المناطق الكردية.
وخلال تلك الفترة ظهرت جماعات مسلحة جديدة، من بينها حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي تأسس عام 2004 وبدأ نشاطاً مسلحاً ضد القوات الإيرانية في المناطق الكردية.
واستمرت الاشتباكات بشكل متقطع حتى إعلان الحزب وقف إطلاق النار عام 2011، في حين شهدت الفترة نفسها مواجهات محدودة قادها فصيل منشق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قبل أن يعود لاحقاً إلى صفوفه.
التعبئة السياسية
وفي محاولة لتجديد نشاطه السياسي والعسكري، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بين عامي 2016 و2019 استراتيجية أطلق عليها اسم "راسان" وتعني الإحياء.
وجمعت هذه الاستراتيجية بين التعبئة السياسية وإعادة انتشار محدود لقواته على الحدود مع العراق، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات متفرقة مع قوات الحرس الثوري في بعض المناطق الكردية.
ورغم أن تلك الحملة لم تتطور إلى مواجهة واسعة، فإنها أظهرت قدرة الحركات الكردية على الحفاظ على تنظيمها واستدعاء الدعم الشعبي، خصوصاً مع استجابة مدن كردية لدعوات الإضراب التي أطلقتها تلك الأحزاب.
وفي السنوات الأخيرة، برزت المناطق الكردية مجدداً كمركز مهم للاحتجاجات في إيران. فقد اندلعت احتجاجات عام 2022 التي حملت شعار "نساء، حياة، حرية" من بلدة كردية بعد وفاة الشابة الكردية جينا مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة، قبل أن يتحول الشعار إلى رمز وطني للاحتجاج في أنحاء البلاد.
كما تحولت احتفالات نوروز، رأس السنة الفارسية والكردية، إلى منصات تعبير سياسي واسع عن الهوية الكردية، وشهدت الأعوام الأخيرة تجمعات كبيرة بلغت ذروتها في احتفالات مارس 2025.
مقاتلون ذوو خبرة
وتشير الباحثة إلى أن الشبكات السياسية الكردية عادت لتظهر بوضوح خلال موجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران بين أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، عندما دعت الأحزاب الكردية إلى إضرابات عمالية منسقة في المدن الكردية شارك فيها عمال من تسع وثلاثين مدينة وبلدة.
وقبل فترة قصيرة من الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة على أهداف داخل إيران، أعلنت عدة أحزاب كردية تشكيل ائتلاف للتنسيق السياسي والعسكري، مؤكدة دعمها لفكرة الحكم الذاتي داخل إيران ديمقراطية، ونفيها السعي إلى الانفصال.
وفي ختام التحليل ترى الباحثة أن دور الحركات الكردية في مستقبل إيران لا يزال غير محسوم، غير أن تاريخها التنظيمي وشبكاتها الاجتماعية يمنحانها حضوراً سياسياً قد يزداد أهمية إذا شهدت مؤسسات الدولة الإيرانية انقسامات داخلية.
لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن تلك الحركات تواجه قيوداً واضحة، إذ تمتلك مقاتلين ذوي خبرة وشبكات محلية واسعة، لكنها تفتقر إلى الأسلحة الثقيلة والقدرات الجوية التي تمكنها من مواجهة الدولة الإيرانية بشكل مباشر.