تخادم الصراع.. كيف تغذي إيران وإسرائيل والإخوان بعضهم البعض على حساب استقرار المنطقة؟
في منطقة أنهكتها الحروب والانقسامات البنيوية، يتقاطع نفوذ ثلاثة فاعلين رئيسيين يشكّلون، وفق تقديرات مراكز بحثية ودراسات دولية متخصصة في الأمن الإقليمي، أحد أبرز مصادر اختلال الاستقرار في الشرق الأوسط، وهم: إيران عبر شبكة أذرعها المسلحة، وإسرائيل بقوتها العسكرية والتكنولوجية المتفوقة، وتيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، بما تحمله من امتدادات فكرية وتنظيمية عابرة للحدود.
ويرى محللون أن التفاعل بين هذه الأطراف لا يُنتج توازناً مستقراً، بل يعزّز نمطاً متكرراً من الصراع المفتوح والمركّب، تتداخل فيه الحروب بالوكالة مع الأجندات الأيديولوجية والتنافس الجيوسياسي، في ظل غياب منظومة أمن إقليمي جامعة، وهو ما يجعل المنطقة عرضة لدورات متلاحقة من العنف وعدم الاستقرار.
نفوذ عبر الوكلاء
تعتمد طهران، بحسب تقارير صادرة عن مراكز دراسات غربية، على شبكة ممتدة من الجماعات المسلحة في عدة دول، من بينها حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، ومليشيا الحوثي في اليمن، وذلك في إطار ما تصفه بـ"محور المقاومة"، الذي يشكّل أحد أعمدة استراتيجيتها الإقليمية القائمة على مبدأ "الدفاع المتقدم" خارج حدودها.
ويقول باحثون في معهد الشرق الأوسط إن هذه الشبكة تطورت إلى "منظومة لامركزية من الفاعلين المسلحين"، ما يمنحها مرونة ميدانية وقدرة على التكيّف مع الضغوط العسكرية، لكنه في المقابل يضعف مستوى السيطرة المركزية عليها ويزيد من احتمالات الانفلات الميداني.
وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون الأمن الإقليمي فابيان هينز إن "إيران بنت نموذجاً فعالاً للحرب غير المتكافئة، قائماً على الإنكار المقبول وتقليل كلفة المواجهة المباشرة، لكنه يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة نتيجة الضربات العسكرية المركّزة وتراجع بعض حلفائها ميدانياً وسياسياً".
وتشير تقديرات حديثة إلى أن هذا النفوذ تعرّض لاختبارات قاسية في ظل الضربات الإسرائيلية والأمريكية، إضافة إلى تآكل بعض الحواضن المحلية نتيجة الضغوط الاقتصادية والانقسامات الداخلية، وهو ما يهدد استدامة هذا النموذج على المدى الطويل رغم استمراره كأداة تخريب وعدم استقرار.
إعادة إنتاج بؤر التوتر
في المقابل، تؤكد تقارير تحليلية أن إسرائيل عززت موقعها العسكري في المنطقة من خلال عمليات استهداف دقيقة طالت قيادات وبنى تحتية مرتبطة بإيران وأذرعها، مستفيدة من تفوق استخباراتي وتكنولوجي واضح، إضافة إلى دعم أمريكي مباشر عسكري ولوجيستي، وآخر دولي في بعض الملفات الأمنية.
ويرى محللون في مراكز أبحاث دولية أن إسرائيل نجحت في تحقيق "تفوق عملياتي واضح" في عدة ساحات، إلا أن هذا التفوق لم يترجم إلى استقرار سياسي مستدام، بل أسهم في إعادة إنتاج بؤر التوتر.
وقالت الباحثة في الشؤون الدولية إن "الاعتماد على القوة العسكرية دون مسار سياسي موازٍ يعمّق جذور الأزمات بدل حلّها، ويؤدي إلى تدوير الصراع بدل احتوائه".
وتواجه إسرائيل انتقادات متزايدة على خلفية عملياتها العسكرية، وسط تحذيرات أممية من تداعيات إنسانية وأمنية طويلة الأمد، خصوصاً في البيئات الهشة التي تشهد تدخلات عسكرية متكررة.
في هذا السياق، يشير محللون إلى أن التحركات الإسرائيلية تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية وفق رؤية أمنية توسعية. فتل أبيب تسعى، وفق هذه المقاربة، إلى توظيف حالة الاضطراب الناجمة عن النفوذ الإيراني في دول مثل لبنان والعراق واليمن، وأيضاً سوريا والأردن، لتعزيز حضورها الأمني والسياسي تحت مبرر احتواء التهديدات.
كما تعمل إسرائيل، بحسب تقديرات مراكز دراسات، على استثمار تصاعد نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران، إلى جانب الحضور السياسي والتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين في عدد من دول المنطقة، لتقديم نفسها كشريك محوري في مواجهة ما تصفه بـ"محور التهديد"، وهو خطاب يمنحها غطاءً لتوسيع نطاق تحركاتها الإقليمية.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذا التوظيف المزدوج لملفي "الخطر الإيراني" و"الإسلام السياسي" يفتح المجال أمام إعادة هندسة البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر بناء تحالفات جديدة أو تعزيز أدوارها الأمنية خارج حدودها التقليدية.
وتحذر تقديرات بحثية من أن هذا النهج قد يفضي إلى تكريس نفوذ إسرائيلي أوسع، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً سياسياً وأمنياً، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وضعف في منظومات الدولة الوطنية.
ويخشى مراقبون أن يؤدي توظيف ملفات "الإرهاب" المرتبطة بإيران والإخوان إلى إعادة رسم خرائط النفوذ بطريقة تعمّق الاستقطاب الحاد وتؤجل فرص بناء استقرار طويل الأمد قائم على التوافقات السياسية.
تراجع تنظيمي واستمرار التأثير
أما جماعة الإخوان المسلمين، التي تمثل أحد أبرز تيارات الإسلام السياسي، فتواجه تراجعاً ملحوظاً في حضورها التنظيمي في عدد من الدول، نتيجة الضغوط السياسية والإجراءات القانونية، رغم استمرار تأثيرها الفكري والسياسي في عدد من البيئات الهشة.
وتشير دراسات صادرة عن معهد واشنطن إلى أن بعض شبكات الجماعة لا تزال فاعلة في المجالين السياسي والاجتماعي، مع اتهامات متكررة بوجود ارتباطات مباشرة وغير مباشرة مع جماعات مسلحة في بعض السياقات، وهو ما يثير جدلاً مستمراً حول طبيعة دورها الإقليمي.
ويقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية حسن أبو هنية إن "الإخوان انتقلوا من مشروع سياسي صاعد إلى حالة من إعادة التموضع والتكيّف، لكن خطابهم الأيديولوجي لا يزال حاضراً في بيئات مضطربة وقابلة للاستقطاب".
ويرى محللون أن استمرار هذا الخطاب، في ظل هشاشة الدولة الوطنية، يسهم في تغذية الانقسامات المجتمعية ويُستخدم أحياناً كرافعة للصراع السياسي، بما ينعكس سلباً على مسارات الاستقرار.
حلقة صراع متبادلة
يرى مراقبون أن العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة تتسم بطابع تفاعلي معقد وديناميكي: إيران توسّع نفوذها عبر جماعات مسلحة عابرة للحدود، وإسرائيل ترد بعمليات عسكرية مكثفة واستباقية، فيما تسهم تيارات الإسلام السياسي في تغذية الخطاب التعبوي وتعميق الانقسام المجتمعي والسياسي.
ويؤدي هذا التفاعل، بحسب تقارير دولية، إلى إطالة أمد الصراعات، وتقويض مؤسسات الدولة، وإضعاف فرص بناء أنظمة حكم مستقرة في عدد من دول المنطقة، خصوصاً تلك التي تعاني أصلاً من هشاشة سياسية واقتصادية.
مكاسب تكتيكية وخسائر استراتيجية
وتشير مراكز أبحاث دولية إلى أن إيران تواجه ضغوطاً متزايدة على شبكتها الإقليمية، التي لا تزال تسهم في خلق بؤر توتر وتهديد للملاحة الدولية وأمن الطاقة، في حين تحقق إسرائيل مكاسب عسكرية تكتيكية دون الوصول إلى حسم سياسي شامل، ويرتبط ذلك جزئياً بطبيعة مشروعها التوسعي الذي تتجاوز أبعاده الحدود التقليدية للدول.
في الوقت نفسه، يتراجع الإخوان المسلمون تنظيمياً مع بقاء التأثير الأيديولوجي، وهو تأثير لا يزال يحمل قدراً كبيراً من الخطورة في المجتمعات الهشة، حيث يسهم في استمرار حلقة الصراع على النفوذ وإعادة إنتاج الأزمات.
وفي هذا الصدد، يرى الكاتب والسياسي ناجي بابكر أن "غياب مشروع إقليمي جامع وفعّال" يترك فراغاً استراتيجياً تستغله هذه الأطراف، ما يكرّس حالة مزمنة من عدم الاستقرار.
ويشير في حديثه لوكالة "خبر" إلى أنه في ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة عالقة في دائرة صراع يصعب كسرها، حيث يستمد كل طرف جزءاً من شرعيته من مواجهة الآخر، وهو ما يدفعهم إلى الحفاظ على مستوى معيّن من التصعيد أو "التخادم غير المباشر"، تجنباً لفقدان التأييد داخل قواعدهم.
ويحذر من أن استمرار هذا النمط دون حلول سياسية شاملة قد يقود إلى مزيد من التفكك والانهيار المؤسسي، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى مقاربات استراتيجية تركز على بناء الدولة الوطنية، وتعزيز الحوكمة، والانتقال من إدارة الصراعات إلى معالجتها جذرياً.