"ناشونال إنترست": نجاة إيران تعني إعادة تسليحها.. والخليج سيدفع الثمن
عدن- خبر للأنباء:
حذّرت مجلة "ناشونال إنترست" من أن بقاء النظام الإيراني في ظل الحرب الدائرة سيمنحه فرصة لإعادة بناء قدراته العسكرية وإعادة تسليح نفسه، وهو ما قد يدفع جيرانه العرب ثمنه المباشر.
وفي تقرير تحليلي أعدّه الباحث الدكتور خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة، أكدت المجلة أن المواجهة العسكرية الجارية في منطقة الخليج العربي، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجاوزت حدود أطرافها المباشرة، لتطول تداعياتها دولاً لم تشارك في إشعال الصراع.
وأشار التقرير إلى أن دول الجوار الإيراني، بما في ذلك دول الخليج والعراق والأردن، برزت كأبرز المتضررين من النزاع، رغم بقائها خارج دائرة الأطراف المحاربة.
ومع تصاعد استهداف البنية التحتية للطاقة، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتراجع الثقة الاقتصادية وتدفقات الاستثمار، وجدت منطقة الخليج نفسها في موقع المتضرر الأكبر من صراع تتجاوز أهدافه ونتائجه حدودها الجغرافية.
وأكد أن هذا الواقع يفرض تساؤلاً استراتيجياً بالغ الحساسية لا يمكن تجاوزه بخطاب دبلوماسي تقليدي، إذ إن دول الخليج ليست شريكاً مباشراً في الحرب، وقد بذلت جهوداً دبلوماسية لمنعها، لكنها في الوقت ذاته تتحمل تبعاتها رغم أن مسارها وشروط إنهائها خارج نطاق سيطرتها.
هجوم اقتصادي منظم
وفي تفسيره لدوافع استهداف إيران لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، أوضح التقرير أن الدول الخليجية انخرطت على مدى أربعة عقود في النزاعات الإقليمية كداعمين أو ممولين أو أطراف غير مباشرة، لكنها نادراً ما كانت هدفاً مباشراً. إلا أن هذا الواقع تغيّر بشكل جذري، حيث تعرضت خلال فترة قصيرة من عملية "الغضب الملحمي" لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والمطارات ومراكز الخدمات اللوجستية في جميع دول المجلس الست.
ولفت إلى توصيف مؤسسة كارنيغي لهذه التحولات، التي رأت أن الحرب حوّلت دولاً كانت تُعد آمنة تاريخياً إلى ساحات صراع خلال فترة وجيزة.
واعتبر أن الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون، رغم عدم مشاركتها في العمليات العسكرية ومعارضتها لها منذ البداية، تكشف عن استراتيجية مدروسة تتجاوز الرد الرمزي، وتهدف إلى ممارسة ضغط مباشر على الولايات المتحدة عبر رفع كلفة المواجهة إلى مستويات غير قابلة للاستدامة.
وأوضح أن ما يجري يمثل هجوماً اقتصادياً منظماً، حيث تستهدف إيران عبر ضربات دقيقة منشآت حيوية تشمل أرامكو السعودية وأدنوك وقطر للطاقة، إلى جانب حقول نفط في الكويت والبحرين، بالتوازي مع تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لإرباك أسواق الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط.
وأشار التقرير إلى أن تداعيات هذه الهجمات بدأت بالفعل، حيث أعلن العراق حالة القوة القاهرة على صادراته النفطية نتيجة اضطراب الملاحة، محذراً من أن إغلاق المضيق قد يلحق أضراراً جسيمة باقتصادات الولايات المتحدة وحلفائها، وكذلك بالدول المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا. ومع ذلك، فإن كون دول الخليج هي الضحية المباشرة لا يغيّر من حسابات طهران.
وبيّن أن الضرر الأعمق يتمثل في التأثير البنيوي على اقتصادات الخليج، التي تسعى منذ سنوات إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، عبر مشاريع كبرى مثل رؤية السعودية 2030 ونيوم، وتحول الإمارات نحو الاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية، ومساعي قطر لتوسيع قاعدتها الاقتصادية بعد كأس العالم. إلا أن استمرار الحرب يهدد سمعة المنطقة كوجهة آمنة للاستثمار، ما قد يخلّف آثاراً طويلة الأمد يصعب معالجتها.
فراغ استراتيجي
وفي مقارنة تاريخية، أشار التقرير إلى تجربة عام 1991، حين تمكن تحالف بقيادة الولايات المتحدة من إلحاق هزيمة عسكرية كبيرة بالعراق بقيادة صدام حسين، وسط توقعات بانهيار النظام سريعاً، وهو ما لم يحدث، إذ استمر النظام 12 عاماً إضافياً، وواصل تهديده الإقليمي والسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل.
وأضاف أن إنهاء هذا التهديد لم يتحقق إلا بالغزو الأمريكي عام 2003، والذي أدى بدوره إلى فراغ استراتيجي استغلته إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي، وهو ما ساهم في إنتاج التهديدات القائمة حالياً.
ونقل التقرير عن مراجعة للأمن القومي في تكساس أن فشل الولايات المتحدة في معالجة "مشكلة صدام" بعد 1991 تسبب في أضرار طويلة الأمد للمصالح الأمريكية وللنظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ولفت إلى أن إضعاف القدرات العسكرية لأي نظام لا يعني إنهاء قدرته على تهديد جيرانه، مشيراً إلى أن الأنظمة الأيديولوجية تتكيف عبر أدوات غير تقليدية، مثل الوكلاء والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، وهي أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.
وأكد أن إيران تمتلك بنية أكثر تعقيداً من نظام البعث السابق، حيث يستند الحرس الثوري إلى أيديولوجيا دينية عابرة للحدود، ويدير شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين، تشمل حزب الله في لبنان، ومليشيا الحوثي في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق، إلى جانب امتلاكه قدرات صاروخية وتقنيات طائرات مسيرة متقدمة.
وأشار إلى أن استمرار الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية لمدة شهرين لم ينجح في تقليص نفوذ إيران بشكل حاسم، ما يعزز الشكوك بشأن قدرة الحلول العسكرية وحدها على إنهاء التهديد.
ومع ذلك، شدد التقرير على أن تصعيد الحرب وصولاً إلى إسقاط النظام الإيراني قد يقود إلى فوضى إقليمية واسعة، مستشهداً برؤية هنري كيسنجر بأن الهدف من الحروب يجب أن يكون تحقيق سلام مستدام لا مجرد هزيمة الخصوم.
تدمير البرنامج النووي الإيراني
واستعرض التقرير نماذج تاريخية، منها توازن القوى الذي أعقب الحروب النابليونية ونجح في تحقيق استقرار طويل الأمد في أوروبا، مقابل السياسات العقابية بعد الحرب العالمية الأولى التي ساهمت في اندلاع صراع جديد.
وأشار إلى أن تحقيق نظام إقليمي مستقر قد يظل هدفاً بعيد المنال في ظل طبيعة النظام الإيراني، لكنه يجب أن يبقى الهدف الاستراتيجي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وحذر التقرير من أن الخطر الأكبر لا يكمن في التصعيد، بل في إنهاء الحرب بشكل مبكر دون حسم استراتيجي، كما حدث في تجارب سابقة للولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان.
ورجّح أن تعلن واشنطن النصر سياسياً، مع التأكيد على تدمير البرنامج النووي الإيراني وإضعاف الحرس الثوري، قبل أن تتجه نحو تقليص انخراطها العسكري، وهو ما قد يترك دول الخليج في مواجهة مباشرة مع تداعيات الصراع.
وفي هذا السيناريو، قد تحقق إسرائيل مكاسب تكتيكية، فيما تسوق الولايات المتحدة نجاحاً سياسياً داخلياً، لكن المنطقة ستبقى عرضة لتهديدات طويلة الأمد، تشمل هجمات غير مباشرة على البنية التحتية، على غرار هجمات أرامكو عام 2019 وأبوظبي عام 2022.
وخلص التقرير إلى أن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج لا يتمثل في توقيت انتهاء الحرب، بل في طبيعة المرحلة التي تلي إعلان النصر، مشيراً إلى أن تجارب الماضي تثبت أن نهاية العمليات العسكرية قد تمثل بداية مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع غير المباشر.
واختتم بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستحدد خطاب النصر، بينما ستُترك دول الخليج لمواجهة تداعياته، محذراً من أن سوء تقدير الدروس التاريخية قد يؤدي إلى استمرار دفع ثمن حرب أُعلن انتهاؤها سياسياً دون أن تنتهي فعلياً.