تصدع الداخل ومناورات الخارج.. كيف يكبل صراع الأجنحة في طهران مستقبل التسوية؟

أكدت مجلة "ذا ماريتايم إكزكيوتيف" أن المجتمع البحري الدولي يدرك جيداً تعقيدات منطقة الخليج، إلا أن فهم المشهد يصبح أكثر صعوبة عند تقاطعه مع طبيعة النظام السياسي الإيراني، الذي وصفته بأنه متطور لكنه غامض ويختلف جذرياً عن الأنظمة الديمقراطية الغربية، إضافة إلى النهج غير التقليدي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يجعل قراءة التطورات الإقليمية أمراً معقداً ويستدعي وضعها في سياق أوسع.

وأوضحت المجلة، في تقرير تحليلي، أن الاستراتيجية بعيدة المدى للنظام الإيراني تقوم على مزيج من الأهداف الدينية والطموحات القومية الفارسية، بهدف ترسيخ موقع إيران الشيعية كقوة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط.

وبحسب التقرير، فإن هذه الاستراتيجية طويلة الأمد ترتكز على الصبر السياسي، إذ يتمثل الهدف الإيراني الآني في تجاوز الحرب الحالية والحفاظ على بقاء النظام، تمهيداً لاستئناف مشروعه الإقليمي بعد التعافي، في ظل نظرة إيرانية تعتبر نفسها لاعباً ذا ثقل دولي.

تداخل اهداف إسرائيل وأمريكا

وفي المقابل، ترى المجلة أن إسرائيل تسعى إلى إحداث تغيير في النظام الإيراني الذي يقود هذه الاستراتيجية التوسعية، إلى جانب تحييد القدرات النووية والصاروخية الباليستية، ووقف الدعم الإيراني للقوى الحليفة المعادية لإسرائيل في الدول المجاورة، بينما يبقى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز هدفاً مهماً لكنه ليس أولوية أساسية بالنسبة لتل أبيب.

أما الولايات المتحدة، فتشير المجلة إلى أن أهدافها تتداخل بدرجة كبيرة مع الأهداف الإسرائيلية، إذ تسعى القيادة المركزية الأمريكية إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، غير أن موقف الرئيس ترامب بدا أقل وضوحاً واتساقاً في هذا الملف.

تهديد الاقتصاد الخليجي

وحذر التقرير من أن أي حرب تقودها الولايات المتحدة تنتهي بإغلاق مضيق هرمز قد تفضي إلى تهديد مباشر للنموذج الاقتصادي لدول الخليج، وهو ما قد ينعكس سلباً على المكانة الدولية لواشنطن، وربما يفتح الباب أمام حرب إقليمية أوسع.

وفي الشأن الداخلي الإيراني، لفتت المجلة إلى أن التباينات داخل بنية الحكم ليست جديدة، غير أن تعقيد النظام السياسي الإيراني يجعل فهمه صعباً بالنسبة للغرب، كونه لا يقوم على الديمقراطية الليبرالية، بل على نظام ولاية الفقيه الذي يمنح المرجعية الدينية سلطة الإشراف النهائي على القرار السياسي.

وأشار التقرير إلى وجود خلافات حادة ومساومات مستمرة بين الفصائل السياسية الإيرانية، إلا أن تلك الخلافات تبقى محصورة داخل الإطار الذي ترسمه مؤسسات النظام، ولا سيما مجلس تشخيص مصلحة النظام، موضحاً أن التيار الإصلاحي، رغم اختلاف أساليبه، يشترك مع التيار المتشدد الذي يقوده الحرس الثوري في الأهداف الاستراتيجية ذاتها، لكنه يفضل مقاربات أقل صدامية.

ورغم تعرض القيادة الإيرانية لضغوط متزايدة، أكد التقرير أن بنية الحكم لا تزال متماسكة، مشيراً إلى أن الوفد الذي شارك في المفاوضات الأولى في إسلام آباد وضم 70 شخصاً، كان أكبر من الحاجة الفعلية للمفاوضات، لكنه عكس رغبة مختلف الأجنحة السياسية في استغلال الهدنة لحسم خلافاتها الداخلية بعيداً عن المؤسسات التقليدية في طهران.

وأضاف أن أسس نظام ولاية الفقيه اهتزت على المستوى الشعبي، إلا أن ذلك لم يصل إلى حد الانتفاضة، مرجعاً السبب إلى إصرار النظام على قمع أي معارضة بعنف شديد، ما حال دون تحول حالة السخط الشعبي إلى تحرك واسع.

الضربات تُنهك إيران 

وفي تقييمه للحملة العسكرية الأمريكية، يرى التقرير أن إيران ستحتاج إلى سنوات للتعافي من آثار الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية وسياسية رفيعة المستوى، لكنه أشار إلى أن هذه الضربات لم تنجح في تخفيف الضغوط السياسية الداخلية على القيادة الإيرانية.

ورجح التقرير أن تنبع الضغوط الحقيقية مستقبلاً من التبعات الاقتصادية للحصار، أو من الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، في ظل حالة استياء شعبي متنامية بسبب انعكاسات سياسات النظام على حياة الإيرانيين اليومية.

وفي ما يتعلق بالمفاوضات، قال التقرير إن إيران ستواجه صعوبة كبيرة في توحيد مواقف فصائلها السياسية والوصول إلى رؤية تفاوضية مشتركة، ما قد يؤدي إلى إبطاء انخراطها في أي محادثات جديدة.

وأضاف أن الإيرانيين معروفون بقدرتهم العالية على التفاوض، إذ يميلون إلى إرسال إشارات توحي بالمرونة وإمكانية التسوية، لكنهم في النهاية يقدمون تنازلات محدودة للغاية، مع الاستفادة من أدوات سياسية وثقافية تمنحهم هامشاً واسعاً للمناورة.

ورجح التقرير أن تكون العقبة الأكبر في المفاوضات المقبلة هي صعوبة التوصل إلى توافق داخلي بين مراكز القوى الإيرانية، أكثر من مسألة المناورات التفاوضية نفسها، مشيراً إلى أن صدور مواقف متباينة من الفصائل المختلفة قد يزيد من ارتباك وسائل الإعلام الغربية المعتادة على أنماط أكثر وضوحاً في العمل السياسي.

تعطيل الملاحة 

وفي ما يخص مضيق هرمز، اعتبرت المجلة أن إيران تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة فيه بإمكانات عسكرية محدودة، موضحة أن استخدام زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري، إلى جانب التلويح بالألغام البحرية وتنفيذ هجمات متقطعة بالطائرات المسيّرة، قد يكون كافياً لإرباك حركة العبور في المضيق، رغم احتمال امتلاك القيادة المركزية الأمريكية خططاً لمواجهة مثل هذا السيناريو.

وأضاف التقرير أن الانقسامات بين الأجهزة الإيرانية قد تؤدي إلى ضعف التنسيق بين القوات المنتشرة في المضيق، إذ تحتاج السفن التجارية إلى تصاريح عبور من عدة جهات أمنية وعسكرية إيرانية، ما قد يؤدي أحياناً إلى تضارب في التعليمات.

وأشار كذلك إلى أن سلطنة عُمان ستسعى إلى الحفاظ على نظام المرور البحري المعتمد من المنظمة البحرية الدولية، خاصة أن جزءاً كبيراً من خطوط الملاحة يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية.

وفي ختام التقرير، توقعت المجلة أن يستمر الغموض لفترة طويلة بشأن كيفية انتهاء الأزمة في الخليج، موضحة أن الرئيس ترامب قد يكون مستعداً لتقديم تنازلات سعياً لإنهاء المواجهة، إلا أن إيران، إلى جانب دول الخليج والقوى الآسيوية وحتى مؤسسات القرار الأمريكية، قد لا تقبل بأي تسوية لا تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل.

ورجح التقرير أن يتحول ملف المضيق إلى القضية الأكثر تعقيداً وإثارة للجدل في أي محادثات مستقبلية، وربما إلى نقطة يصعب تجاوزها في الظروف الحالية، حتى إذا انطلقت المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد.