الحرس الثوري المتشظي: صراع الثلاثي "قاليباف وذو القدر ووحيدي" على مستقبل إيران

أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران إلى إزاحة معظم قيادة الجمهورية الإسلامية في الساعات الأولى من الصراع، فيما لا يزال المرشد الأعلى الاسمي مجتبى خامنئي غائباً عن الأنظار منذ ذلك الحين. 

وبينما يواصل النظام إصدار بيانات باسمه، تبقى الجهة التي تقف خلف هذه البيانات غير واضحة، كما يظل مصيره -سواء من حيث الوعي أو البقاء على قيد الحياة- محاطاً بالغموض.

ومع استمرار المفاوضات، تلاشت أي ذريعة بأن الرئيس مسعود بيزشكيان ليس سوى واجهة.

وبحسب تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط، فإن غالبية المحللين يتفقون على أن الحرس الثوري الإيراني هو الطرف المهيمن فعلياً. غير أن هذه المؤسسة لا تبدو متماسكة، إذ تعاني من انقسامات داخلية حادة بين أفراد ومراكز نفوذ متنافسة. 

ويُعد تحديد هذه المراكز أمراً حاسماً لفهم من يملك القرار، وكذلك لتحديد الأطراف القادرة على تحقيق نتائج في المفاوضات أو عرقلتها.

ويرجح التحليل، الذي أعده المحلل المتخصص في مكافحة الإرهاب عرفان فرد، أن الفصيل الذي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتفاوض معه يتمحور حول محمد باقر قاليباف، المرشح الرئاسي السابق والعضو الأسبق في الحرس الثوري، والذي يشغل حالياً رئاسة البرلمان.

ووفقاً للتحليل، يعمل هذا الفصيل عند تقاطع السلطة الرسمية والمؤسسة الأمنية، حيث يقدم قاليباف نفسه لوسطاء واشنطن كشخصية طموحة ومنفتحة على التفاوض، مع تمسكه في الوقت ذاته بأسس النظام. 

وتتمثل قوة قاليباف في قدرته المفترضة على تحويل الأولويات الأمنية إلى سياسات تشريعية وإجراءات تنفيذية.

نفوذ قضائي

أما الفصيل الثاني، فيدور حول محمد باقر ذو القدر، الذي يشغل حالياً منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي عقب وفاة سلفه علي لاريجاني. 

وشارك ذو القدر في إدارة قطاع التعليم داخل الحرس الثوري قبل أن يتولى قيادة قسم الحرب غير النظامية، كما يتمتع بنفوذ ممتد داخل الجهاز القضائي من خلال عمله مستشاراً لرئيس القضاء صادق لاريجاني. 

ويركز هذا الفصيل على الرقابة الداخلية، مع إعطاء الأولوية لأدوات المراقبة والنفوذ القضائي وإدارة الأزمات، مفضلاً نهج الاحتواء للحفاظ على النظام بدلاً من التكيف معه.

توجه براغماتي

أما الكتلة الثالثة، المرتبطة بكل من وزير الدفاع السابق أحمد وحيدي، المتهم بتدبير تفجيرات بوينس آيرس عام 1994، وقائد القوات البحرية السابق في الحرس الثوري علي فدوي، فتعكس توجهاً أكثر براغماتية وانخراطاً خارجياً.

وتستند هذه الشبكة، المتجذرة في الهياكل العسكرية والأمنية، إلى قراءة إقليمية للصراع، مع تبني مقاربة أكثر تشدداً في السياسة الخارجية.

وفي المقابل، لا تزال المؤسسة الدينية التقليدية المتمركزة في قم تضفي شرعية دينية على النظام، رغم أن نفوذها يبدو في تراجع مع توسع سلطة الأجهزة الأمنية، وفقاً للتحليل.

وأشار التحليل إلى أن علاقة هذه المؤسسة ببقية الكتل باتت ذات طابع تبادلي متزايد، حيث يظل دعمها ضرورياً للمصادقة الرمزية، لكنه أقل تأثيراً في صياغة السياسات.

سرديات غير موحدة

ويرى التحليل أن التباين في رسائل الشخصيات البارزة يكشف عن غياب سردية موحدة. فعلى سبيل المثال، بينما يقود قاليباف مسار التفاوض في إسلام آباد، يميل كل من سعيد جليلي، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، ومحسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، إلى الاصطفاف مع وحيدي والترويج لخطاب أيديولوجي معادٍ للولايات المتحدة.

ولا يُبدي أي من هذين الطرفين رغبة في الانخراط في حوار مع واشنطن، ما يعكس، وفق التحليل، وجود تنافس أعمق حول التوجه الاستراتيجي، يتجلى في التصريحات العلنية التي تضخمها وسائل الإعلام الإيرانية ومنصات التواصل الاجتماعي.

وبالنسبة لواشنطن، يكتسب هذا المشهد أهمية خاصة، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحرس الثوري أكثر ولاءً لشخصيات مثل فدوي وجليلي ورضائي، أم أنه قد يميل إلى دعم قاليباف الأكثر براغماتية.

وتعزز مؤشرات إضافية هذا النمط، حيث أظهرت مواقف البرلمان الإيراني تبايناً واضحاً بين لجانه من حيث الخطاب والمضمون، بما يعكس خلافات حول أولويات السياسة. 

كما أن رسائل وزارة الخارجية لا تتطابق دائماً مع الروايات التي تروج لها وسائل إعلام مثل صحيفة كيهان، التي يعين رئيس تحريرها المرشد الأعلى، ما يشير إلى غياب التنسيق داخل مؤسسات الدولة.

وفي الوقت ذاته، يواصل عدد من الشخصيات المتشددة الترويج لخطاب معادٍ للولايات المتحدة، وهو ما يقوض الرسائل الدبلوماسية، ويؤكد أن الديناميكيات الفصائلية الداخلية -وليس مجرد التناقض الظاهري- هي المحرك الرئيسي للرسائل المتباينة للنظام.

إعادة تشكيل التوازنات

ويرجح التحليل أن حالة عدم اليقين بشأن القيادة المستقبلية تفاقم التنافس بين الفصائل، حيث يسعى كل طرف إلى ترسيخ نفوذه في مرحلة ما بعد الانتقال. ومن غير المرجح أن يظل هذا التنافس محصوراً في الخطاب السياسي، إذ قد يمتد إلى عرقلة مؤسسية، وحملات تشهير، ومحاولات لتهميش الخصوم، دون أن يصل بالضرورة إلى قطيعة صريحة، لكنه يظل قادراً على إعادة تشكيل توازنات القوة الداخلية.

وأكد التحليل أن السيطرة على وسائل الإعلام التابعة للدولة تظل محوراً مركزياً في هذا الصراع، ففي نظام يفرض سيطرة صارمة على الرأي العام، تصبح القدرة على صياغة الرواية الرسمية أداة سلطة بحد ذاتها. 

وفي بعض الحالات، يبدو أن الخطاب المتشدد تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل يخدم أهدافاً داخلية أكثر من كونه موجهاً للخارج، في محاولة لتعزيز الاتساق الأيديولوجي والحفاظ على دعم القواعد الموالية.

وبالنسبة لصناع القرار في الولايات المتحدة، تحمل هذه الديناميكيات تداعيات كبيرة، إذ إن نظاماً يعاني من انقسامات داخلية يصبح أقل قابلية للتنبؤ، مع احتمال تبني الفصائل العسكرية المتنافسة استراتيجيات متباينة، ما يزيد من مخاطر سوء التقدير.

كما أن هذا التشرذم يعقّد مسار الحوار الدبلوماسي، في ظل غموض الجهات القادرة فعلياً على التأثير في القرار، وطبيعة الشبكات الداخلية -بما في ذلك تلك المرتبطة بدوائر المرشد الأعلى- التي تحدد مسار صنع السياسات.

ويخلص التحليل إلى أن هذه المعطيات تثير تساؤلات جوهرية حول قدرة شركاء واشنطن في المفاوضات على تحقيق نتائج ملموسة، كما تعزز المخاوف من دور الفصائل المتشددة التي قد تعمل على تقويض أي تقارب محتمل، سواء عبر استهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى خصومها داخل إيران، حتى في حال أبدى بعض مسؤولي النظام المنخرطين في الحوار مع ترامب نوايا صادقة.