حين يستخدم حزب الإصلاح(فرع الاخوان المسلمين في اليمن) السلطة إلى وسيلة لتفكيك الدولة اليمنية
لم تعد الأزمة المالية في المحافظات المحررة نتاج حرب أو فوضى مؤقتة، بل أصبحت نتيجة مباشرة لمشروع واضح يقوده حزب الاصلاح ذراع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، يقوم على تفكيك الدولة من الداخل، وتجفيف مركزها، وبناء سلطة موازية تتحكم بالمال والسلاح والقرار. ما يجري في مأرب وتعز ليس خللًا إداريًا ولا سوء إدارة، بل انقلاب مالي صامت يكتمل به ما تعذّر إنجازه بالقوة.
الإصلاح، بوصفه الذراع السياسية للإخوان في اليمن، لم يتعامل مع الموارد العامة باعتبارها ملكًا للدولة، بل كـ«غنيمة تنظيمية». ومنذ سنوات، انتهج الحزب سياسة واضحة: إبقاء الحكومة ضعيفة، والبنك المركزي بلا موارد، مقابل تضخيم سلطته المالية في المحافظات الخاضعة لنفوذه. بهذه المعادلة، يصبح الحزب أقوى من الدولة، وتتحول الشرعية إلى واجهة بلا أدوات.
مأرب: خزينة الإخوان
في مأرب، حيث النفط والغاز، تتجلى أخطر صور هذا المشروع. فالثروة السيادية التي كان يفترض أن تكون صمام أمان للاقتصاد الوطني، أُفرغت من بعدها الوطني، وأُديرت بعقلية التنظيم لا الدولة. مئات المليارات من الريالات تُحتجز شهريًا خارج البنك المركزي، وتُصرف تحت عناوين فضفاضة مثل “النفقات المحلية”، بينما الحقيقة أنها تموّل شبكات الحزب العسكرية والإدارية، وتؤمّن له استقلالًا ماليًا كاملاً عن الحكومة.
يرى سياسيون ان الوضع بمثابة قرار سياسي متعمد من حزب الإصلاح بتحويل مأرب إلى خزينة خاصة للإخوان، واستخدام مواردها كورقة ضغط على الدولة، لا كرافعة لإنقاذها.
تعز: المختبر الأخطر للاقتصاد الموازي
أما تعز، فقد تحولت إلى مختبر مكتمل لـ“اقتصاد الإخوان الموازي”. الضرائب، الجبايات، الرسوم غير القانونية، وحتى الإتاوات على أبسط السلع، باتت تُجمع عبر قنوات حزبية، لا مؤسسية. الإصلاح لم يكتفِ بالهيمنة السياسية والعسكرية، بل أنشأ نظامًا ماليًا موازياً، يفصل المدينة عن المركز المالي للدولة، ويجعل البنك المركزي في عدن بلا تأثير فعلي.
والنتيجة؟ حكومة عاجزة عن دفع الرواتب، عملة منهارة، ومواطن يُطلب منه أن يدفع ثمن فساد لم يكن شريكًا فيه. هذا الانفصال المالي لم يكن عرضيًا، بل خطوة محسوبة لإدامة نفوذ الحزب وإضعاف أي سلطة لا يسيطر عليها.
فساد منظم
اللافت في تجربة الإصلاح أنه لم يترك الفساد للصدفة، بل نظّمه. تضخيم كشوفات الرواتب، الأسماء الوهمية، الخصومات من الإعاشة، احتجاز الإيرادات، كلها أدوات داخل منظومة واحدة هدفها تحويل المال العام إلى وقود دائم للتنظيم. الأخطر أن الحزب لم يكتفِ بالنهب المباشر، بل بنى مصادر تمويل موازية عبر التهريب والتجارة غير المشروعة، ما يضعه في موقع لا يختلف كثيرًا عن شبكات الجريمة المنظمة.
هنا يسقط القناع الأخلاقي الذي طالما حاول الإخوان التستر خلفه. من يموّل نفسه بالتهريب، ويغذي نفوذه بغسيل الأموال، لا يمكنه الادعاء بالوطنية أو الحديث عن الدولة.
الإخوان وغسيل الأموال: من الداخل إلى الخارج
لم يتوقف مشروع الإصلاح عند حدود المحافظات المحررة. فالأموال التي تُنهب في الداخل لا تبقى فيه. تحويلات يومية ضخمة عبر شركات صرافة مرتبطة بالحزب، ثم تحويلها إلى عملات أجنبية وإيداعها في الخارج، تكشف عن شبكة غسيل أموال مكتملة الأركان. هذه الأموال تتحول إلى استثمارات وعقارات، بينما يُترك الداخل يواجه الانهيار.
هكذا يفكر التنظيم: الداخل ساحة جباية، والخارج ساحة أمان واستثمار.
يؤكد سياسيون انه لا يمكن إنقاذ الاقتصاد اليمني دون تسمية الأشياء بأسمائها. حزب الإصلاح، بوصفه الذراع اليمنية للإخوان المسلمين، هو جوهر الأزمة المالية في المحافظات المحررة. ليس لأنه موجود في السلطة، بل لأنه استخدم السلطة لتفكيك الدولة، واستبدالها بتنظيم يرى في اليمن ساحة نفوذ لا وطنًا.