خارج حدود الجبهات.. الاستراتيجية الحوثية في هندسة المجتمع وإدارة الخوف
لم تعد الحرب في اليمن مجرد معركة عسكرية بين مليشيا الحوثي وجيش الشرعية اليمنية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة واسعة لإعادة تشكيل المجتمع والسيطرة على تفاصيل الحياة العامة والخاصة، عبر أدوات متعددة يتصدرها الخوف بوصفه الوسيلة الأكثر فاعلية لإخضاع الناس وإسكات الأصوات المعارضة. وفي مناطق سيطرة مليشيا الحوثي على وجه الخصوص، تبدو ملامح هذا التحول أكثر وضوحاً، حيث أعادت إنتاج بنية سلطوية تقوم على الرقابة والقمع والهيمنة الفكرية والأمنية، في محاولة لإحكام السيطرة على المجتمع وإعادة تشكيل وعيه وفق رؤيتها الخاصة.
ومنذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، دخل اليمن مرحلة مختلفة من الحكم القائم على القوة المسلحة والنفوذ الأمني والتعبئة الأيديولوجية.. لم يقتصر التغيير على مؤسسات الدولة فحسب، بل امتد إلى المدارس والمساجد والجامعات والإعلام والشارع العام، وصولًا إلى الحياة اليومية للمواطنين.
ومع مرور الوقت، لم يعد الخوف مجرد شعور مرتبط بالحرب أو القصف أو المواجهات المسلحة، بل تحول إلى جزء من الحياة العامة، وإلى أداة تستخدم لإدارة المجتمع والتحكم بسلوكه، في ظل بيئة سياسية وأمنية مغلقة تتراجع فيها الحريات بصورة غير مسبوقة.
من الدولة إلى سلطة المشرفين
أحد أبرز التحولات التي شهدتها مناطق سيطرة الحوثيين يتمثل في صعود ما تُعرف بمنظومة “المشرفين”، وهي شبكة موازية لمؤسسات الدولة الرسمية، تمتلك نفوذًا واسعًا يتجاوز سلطات المسؤولين الحكوميين أنفسهم.
وخلال السنوات الماضية، توسعت هذه المنظومة لتشمل مختلف المحافظات والمديريات والمؤسسات، حيث بات المشرف الحوثي يمتلك سلطة فعلية على القرار الإداري والأمني والمالي، بينما تراجعت أدوار المؤسسات الرسمية إلى مستويات شكلية في كثير من الأحيان.
هذا التحول لم يؤد فقط إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بل خلق حالة عامة من الخوف والارتباك داخل المجتمع، إذ أصبح المواطنون والموظفون وحتى القيادات المحلية يعيشون تحت ضغط دائم خشية الوقوع في دائرة الاتهام أو الاستهداف أو الإقصاء.
وفي كثير من الحالات، أصبحت القرارات تُدار خارج الأطر القانونية والإدارية المعروفة، بينما بات النفوذ مرتبطًا بدرجة الولاء والانتماء أكثر من ارتباطه بالكفاءة أو القانون، ما ساهم في تكريس بيئة قائمة على الخضوع والصمت والخشية من الاعتراض.
القبضة الأمنية وإسكات الأصوات
خلال سنوات الحرب، توسعت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للحوثيين بصورة لافتة، وأصبحت تلعب دورًا محوريًا في إدارة المجتمع ومراقبة النشاط السياسي والإعلامي والاجتماعي.
يقول ناشطون وحقوقيون، إن المليشيا اعتمدت على سياسة ممنهجة لتقييد الحريات العامة، من خلال حملات الاختطاف والملاحقة والرقابة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى فرض قيود واسعة على الأنشطة المدنية ومنع الانشطة السياسية لأي مكون سياسي عدا مشروعها.
ومع تصاعد القبضة الأمنية الحوثية بات كثير من اليمنيين يتجنبون الحديث العلني في الشأن العام، حتى داخل الدوائر الاجتماعية الضيقة، خوفاً من التعرض للمساءلة أو الاتهامات المرتبطة بالولاء السياسي أو “التخابر” أو “التحريض”.
كما شهدت السنوات الماضية إغلاق وسائل إعلام، واختطاف صحفيين وناشطين، وفرض قيود على المحتوى الإعلامي والثقافي، في إطار سياسة تهدف إلى احتكار الرواية العامة وتقييد أي خطاب مخالف.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الخوف مرتبطًا فقط بالاختطاف المباشر، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يشعر كثير من المواطنين بأنهم يعيشون تحت رقابة مستمرة، سواء عبر الأجهزة الأمنية أو عبر شبكات اجتماعية مرتبطة بمنظومة السلطة الجديدة.
التعليم بوصفه ساحة لإعادة تشكيل الوعي
لم تتوقف عملية السيطرة عند الجانب الأمني والسياسي، بل امتدت إلى قطاع التعليم الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل الوعي الجمعي.
ففي المدارس والجامعات، جرى إدخال تغييرات واسعة على المناهج والأنشطة والبرامج الثقافية، بما يتوافق مع الخطاب الطائفي للمليشيا، بينما تصاعدت حملات التعبئة الفكرية والدينية داخل المؤسسات التعليمية.
ويرى مراقبون أن المليشيا تدرك أهمية السيطرة على التعليم باعتباره أداة طويلة الأمد لإنتاج جيل جديد يحمل تصورات مختلفة عن الدولة والمجتمع والهوية الوطنية.
كما تحولت كثير من الأنشطة المدرسية إلى منصات للتعبئة السياسية والطائفية، في وقت يعاني فيه القطاع التعليمي أصلًا من انهيار كبير نتيجة الحرب وتوقف المرتبات وضعف الإمكانات.
وفي معظم المناطق، أصبح الطلاب والمعلمون يعيشون تحت ضغوط مستمرة للمشاركة في فعاليات وأنشطة ذات طابع تعبوي، بينما تواجه الأصوات الرافضة أو المنتقدة حالة من التضييق والإقصاء والمطاردة والاختطاف.
الإعلام بين التعبئة والخوف
الحرب في اليمن لم تكن عسكرية فقط، بل إعلامية أيضًا. ومنذ سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة الإعلامية، جرى توظيف الإعلام بصورة مكثفة لخدمة خطاب المليشيا وتعزيز حضورها السياسي والأيديولوجي.
وتعرضت وسائل الإعلام المستقلة والمعارضة لضغوط كبيرة، شملت الإغلاق والمصادرة والرقابة، بينما فر كثير من الصحفيين خارج مناطق سيطرة الحوثيين أو خارج اليمن بالكامل، نتيجة المخاوف الأمنية المتزايدة.
كما ساهمت حالة الاستقطاب الحاد في خلق بيئة إعلامية مضطربة، باتت فيها الرواية الرسمية الحوثية تهيمن على المجال العام، فيما تراجعت مساحة النقاش الحر والتعددية الإعلامية.
وفي المقابل، استخدمت مليشيا الحوثي الإعلام كوسيلة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية داخل المجتمع، عبر التركيز على خطاب التعبئة والحشد وتقديم الحرب باعتبارها معركة وجودية مستمرة، الأمر الذي ساهم في ترسيخ حالة الخوف والتوتر داخل الشارع اليمني.
الجبايات واقتصاد السيطرة
إلى جانب السيطرة الأمنية القمعية والفكرية برز البعد الاقتصادي كأحد أهم أدوات النفوذ، حيث توسعت خلال سنوات الحرب شبكات الجبايات والإتاوات والرسوم المفروضة على التجار والمواطنين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وفي ظل غياب الدولة والانقسام المالي والإداري، أصبح الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين يخضع لمنظومة معقدة من السيطرة والرقابة، تتداخل فيها المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية.
يقول اقتصاديون، إن الحرب أفرزت اقتصادًا موازيًا قائمًا على النفوذ والاحتكار والسوق السوداء، بينما تحمل المواطن العادي العبء الأكبر نتيجة ارتفاع الأسعار وتدهور العملة وتراجع فرص العمل.
كما ساهمت هذه السياسات في تعزيز حالة الخوف الاقتصادي داخل المجتمع، حيث يعيش كثير من التجار وأصحاب الأعمال تحت ضغوط مرتبطة بالجبايات أو الرقابة أو المخاوف من المصادرة والإجراءات العقابية.
ومع اتساع الأزمة الاقتصادية، بات المواطن اليمني يواجه معركة يومية من أجل البقاء، في ظل تراجع القدرة الشرائية وانهيار الخدمات الأساسية وغياب أي مؤشرات حقيقية على التعافي.
المجتمع بين الصمت والتكيف القسري
ومع استمرار الانقلاب الحوثي والحرب لسنوات طويلة، بدأ المجتمع اليمني يدخل تدريجيًا في حالة من التكيف القسري مع الواقع الجديد، حيث بات كثير من الناس يتجنبون الاصطدام المباشر مع الحوثيين، مقابل محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الشخصي والمعيشي.
لكن هذا التكيف لا يعني بالضرورة القبول الكامل، بقدر ما يعكس حالة من الإنهاك العام والخوف من العواقب، في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات والأزمات الاقتصادية.
ويشير باحثون اجتماعيون إلى أن استمرار الخوف لفترات طويلة يؤدي إلى تغيرات عميقة في سلوك الأفراد والمجتمعات، حيث تتراجع الثقة العامة، ويزداد الانغلاق الاجتماعي، وتتوسع دوائر الصمت والخشية من التعبير.
كما ساهمت الحرب في خلق بيئة يغيب فيها الشعور بالأمان والاستقرار، خصوصًا لدى الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع محدود الخيارات، في ظل البطالة والانقسام السياسي وتراجع فرص المستقبل.
النساء والأطفال في دائرة التأثير
النساء والأطفال كانوا من أكثر الفئات تأثرًا بهذه التحولات، ليس فقط بسبب تداعيات الحرب الاقتصادية والإنسانية، بل أيضًا نتيجة التغيرات الاجتماعية والثقافية التي فرضها الواقع الجديد.
ففي معظم المناطق، التي يسيطر عليها الحوثيون تصاعدت القيود الاجتماعية المفروضة على النساء، بينما واجهت الناشطات والإعلاميات تحديات متزايدة مرتبطة بالرقابة والتضييق والخوف من الاستهداف.
أما الأطفال، فقد وجدوا أنفسهم داخل بيئة مشبعة بخطابات الحرب والتعبئة والاستقطاب، في وقت يعاني فيه قطاع التعليم من انهيار واسع، ما يهدد بتكوين جيل نشأ في ظل ثقافة الخوف والصراع.
ويرى مختصون أن التأثير النفسي والاجتماعي طويل المدى للحرب قد يكون من أخطر نتائجها، خصوصًا في ظل غياب برامج حقيقية للدعم النفسي وإعادة التأهيل المجتمعي.
الخوف كأداة للحكم
على مدى سنوات الحرب، لم يعد الخوف مجرد نتيجة للصراع، بل تحول إلى أداة حكم وإدارة وسيطرة. فكلما تراجعت مؤسسات الدولة والقانون، برزت أدوات القوة والرقابة والتعبئة بوصفها البديل القادر على فرض النفوذ.
وفي اليمن اليوم، تبدو آثار هذا التحول واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، من طريقة الحديث في الأماكن العامة، إلى شكل النشاط الإعلامي، إلى طبيعة العلاقات داخل المؤسسات والمجتمع.
كما أن استمرار الانقلاب الحوثي ساهم في تطبيع كثير من الممارسات الاستثنائية، بحيث أصبح الخوف جزءًا من المشهد العام، وأصبح المواطن يتعامل معه باعتباره أمرًا اعتياديًا في حياته اليومية.
لكن هذا الواقع، بحسب مراقبين، يحمل في داخله مخاطر بعيدة المدى على مستقبل الدولة والمجتمع، إذ إن إعادة بناء اليمن لن تتوقف فقط على إنهاء الحرب عسكريًا، بل ستتطلب أيضًا تفكيك منظومات الخوف والاستقطاب واستعادة الثقة العامة ومفهوم الدولة المدنية.
مستقبل غامض وبلد يبحث عن الخلاص
ورغم كل التعقيدات، ما يزال اليمنيون يبحثون عن أفق للخلاص بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار والانقسام. غير أن الطريق نحو السلام يبدو أكثر تعقيدًا في ظل تشابك المصالح المحلية والإقليمية، واستمرار حالة الاستقطاب الحاد.
ويخشى كثير من اليمنيين أن تؤدي سنوات الحرب الطويلة إلى ترسيخ واقع يصعب تغييره بسهولة، خصوصًا مع اتساع نفوذ الجماعات المسلحة وتراجع مؤسسات الدولة وضعف الاقتصاد.
وفي المقابل، يرى آخرون أن المجتمع اليمني، رغم كل ما تعرض له، ما يزال يمتلك القدرة على استعادة توازنه متى ما توفرت إرادة حقيقية لإنهاء الانقلاب الحوثي وإعادة بناء الدولة على أسس عادلة وشاملة.
لكن المؤكد أن الخوف الذي أعادت الحرب تشكيله داخل المجتمع اليمني سيبقى واحدًا من أكثر التحديات تعقيدًا في مرحلة ما بعد الحرب، لأن إعادة بناء الإنسان والثقة والحياة الطبيعية قد تكون أصعب بكثير من إعادة إعمار المدن والطرقات.
وفي بلد يعيش تحت سطوة المليشيا وعاش لسنوات تحت وطأة السلاح والانقسام والهيمنة، يبقى السؤال الأهم معلقًا: كيف يمكن لليمنيين استعادة وطن تحكمه الدولة والقانون بدلًا من الخوف والقوة؟