يمن الوحدة في ذكراه الـ36: استفتاء الحنين الشعبي لزمن الدولة والجمهورية وإرث البناء
تطل الذكرى السادسة والثلاثون لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو لتطرق أبواب اليمنيين في لحظة تاريخية بالغة التعقيد والوجع، حيث يمتزج عبق المناسبة الوطنية العظيمة بمرارة الواقع المعيشي القاسي الذي يكابده الإنسان اليمني من شمال الوطن إلى جنوبه.
ومع اقتراب هذا اليوم المجيد، يجد المواطن اليمني نفسه واقفاً على أطلال حلم كبير، يتأمل المسافة الشاسعة بين الأمس واليوم، وينظر بعين يملؤها الشوق إلى زمن كانت فيه لليمن راية واحدة، وجواز سفر واحد، وعملة وطنية موحدة تحظى بالاحترام والاستقرار. إنها ذكريات زمن مضى يتدفق فيه الحنين جارفاً ونقياً نحو دولة النظام والقانون والجمهورية، تلك الدولة الحاضنة التي ترعرعت وتوطدت أركانها في ظل قيادة ومكاسب عهد الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، حيث كان اليمن يشهد حراكاً تنموياً وسياسياً فريداً جعل من الوحدة صمام أمان للمنطقة بأسرها، وقبلة لتطلعات اليمنيين في العيش الكريم والأمن المستدام.
واليوم، يستقبل اليمنيون هذه المناسبة الغالية والبلاد تعيش حالة من التشظي والانقسام الذي طال الشجر والحجر والإنسان، وغدت الطرقات التي شُقت لتصل بين الإخوة مليئة بالنقاط الفاصلة والعوائق الشائكة التي تزيد من أوجاع التنقل والترحال.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يتعاظم الشعور بالفقد والخسارة لدى رجل الشارع البسيط الذي بات يقارن بين الهيبة والمؤسسات التي كانت تظلل الجميع، وبين مراكز النفوذ المتعددة التي تتقاسم الجسد اليمني المثخن بالجراح.
إن القراءة المتأنية للواقع اليمني المعيش يدفعنا إلى الغوص عميقاً في تفاصيل هذا الحنين الشعبي الجارف، والبحث في ثنايا الذاكرة الجمعية عن مكاسب التنمية والنهضة التي تحققت في تلك العقود الذهبية، والتي مثلت صياغة حقيقية لليمن الحديث القادر على مواجهة التحديات ومواكبة ركب العصر والتقدم.
ملحمة مايو الخالدة وبناء الدولة اليمنية الحديثة
حين أُعلن قيام الجمهورية اليمنية ورفع علمها في سماء عدن الباسلة، لم يكن الأمر مجرد حدث سياسي عابر أو اتفاق عاطفي بين نخبتين حاکمتين، بل كان تجسيداً لإرادة شعبية صلبة ناضل من أجلها الأحرار في شمال الوطن وجنوبه لعقود طويلة.
وجاء الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح ليكون مهندس هذه الملحمة الخالدة وصانع فجرها الجديد، حيث امتلك الشجاعة السياسية والرؤية الاستراتيجية الثاقبة التي مكنته من قيادة سفينة الوطن نحو بر الأمان وتحقيق هذا المنجز الاستراتيجي الذي غير خارطة المنطقة السياسية.
ولم يقتصر دور القائد الراحل على توقيع وثيقة الوحدة فحسب، بل بدأت فوراً معركة البناء الحقيقي والنهضة الشاملة لدمج المؤسسات وبناء دولة المؤسسات القائمة على الدستور والنظام والقانون التي يتساوى تحت سقفها الجميع دون تمييز أو إقصاء.
وكان الانطلاق نحو بناء الدولة الحديثة يرتكز على رؤية وطنية تؤمن بأن الوحدة لا يمكن أن تستمر وتزدهر إلا إذا اقترنت بالتنمية الشاملة والنهوض بمستوى حياة المواطن اليمني في كل قرية ومدينة.
ومن هذا المنطلق، شهد اليمن طفرة تنموية غير مسبوقة امتدت لتشمل كافة القطاعات الحيوية، فارتفعت المدارس والجامعات والمستشفيات في شتى المحافظات، وشُقت شبكات الطرق العملاقة التي ربطت الشرايين الحيوية للبلاد، وفتحت آفاق الاستثمار الخارجي والمحلي مما خلق فرص عمل واسعة للشباب اليمني الذين وجدوا في دولتهم الحاضنة والأمل والمستقبل المشرق.
حنين شعبي
في كل مجلس ومنعطف وصوت يمني اليوم، يتردد صدى الحنين إلى تلك الأيام التي كان فيها للقانون سلطة وللدولة هيبة تحمي الضعيف قبل القوي، حيث يفتقد اليمنيون اليوم الطمأنينة والأمان اللذين كانا يسودان ربوع الوطن تحت لواء الجمهورية والدولة المركزية القوية.
ويتذكر المواطنون بكثير من العزة والافتخار كيف كان القضاء مؤسسة محترمة ومستقلة، وكيف كانت الأجهزة الأمنية والعسكرية تعمل باحترافية وطنية عالية لحفظ الاستقرار ومكافحة الجريمة وحماية المكتسبات العامة والخاصة، بعيداً عن الولاءات الضيقة أو المذهبية والدونية التي تطل برأسها اليوم في مختلف المناطق والمدن.
هذا الحنين ليس مجرد عاطفة عابرة نحو الماضي، بل هو صرخة ألم جماعية يطلقها شعب يرى مؤسساته الوطنية تتآكل وهويته الجمهورية تتعرض لمحاولات التشويه والمسخ والتقزيم، فيتذكرون عهد الشهيد علي عبدالله صالح الذي جعل من النظام والجمهورية ثوابت وطنية مقدسة لا تقبل المساومة أو المزايدة السياسية.
لقد كان المواطن ينام ملء جفونه وهو يعلم أن هناك دولة تحميه، وقانوناً ينصفه، ونظاماً سياسياً ديمقراطياً يتيح له التعبير عن رأيه والمشاركة في صياغة مستقبل بلاده من خلال صناديق الاقتراع والانتخابات التعددية الحرة والمنابر الإعلامية المتنوعة التي شكلت واحة للديمقراطية في محيطها الإقليمي.
مكتسبات تنموية واقتصادية
لا يمكن لأي منصف أو مؤرخ أن يتجاوز حجم المنجزات العملاقة والبنية التحتية الصلبة التي شُيدت في عهد الزعيم الراحل، والتي تحولت اليوم إلى شواهد حية على حقبة العطاء والبناء والنماء والازدهار الاقتصادي.
وفي ذات السياق التنموي الرائد، شهد قطاع النفط والغاز قفزة نوعية كبرى جعلت من اليمن بلداً مصدراً للطاقة، وتمت صياغة وبناء مشروع الغاز الطبيعي المسال في بلحاف الذي يعد واحداً من أضخم المشاريع الصناعية والاستثمارية في تاريخ البلاد والمنطقة. وجرى توظيف هذه العائدات الاقتصادية لتمويل المشاريع الخدمية والتعليمية وتحديث البنية التحتية، فضلاً عن الحفاظ على استقرار العملة الوطنية والقدرة الشرائية للمواطن، مما وفر حياة كريمة ومستقرة للأسر اليمنية التي تعاني اليوم من ويلات الانهيار الاقتصادي والتضخم غير المسبوق وارتفاع الأسعار الجنوني وجفاف مصادر الدخل والعيش.
واقع متشظٍ
على الضفة الأخرى من هذا الحنين والذكرى، يقف الواقع اليمني الحالي كلوحة حزينة ومعقدة تتسم بالتشظي والانقسام والتفكك الجغرافي والسياسي والمؤسسي والاجتماعي الذي يدمي قلوب اليمنيين جميعاً.
لقد تحولت البلاد إلى كانتونات ومناطق نفوذ متعددة الولاءات والتوجهات، وانقسمت المؤسسات السيادية والمالية لدرجة وجود بنكين مركزيين وعملتين مختلفتين وقيم شرائية متفاوتة، مما زاد من تعقيد وتفاقم الحياة المعيشية اليومية للمواطن البسيط وضاعف من أعباء التجارة والتنقل بين المدن اليمنية المختلفة.
هذا التشرذم لم يتوقف عند حدود السياسة والاقتصاد فحسب، بل تغلغل ليضرب النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية في مقتل، حيث حلت خطابات الكراهية والتحريض والتفرقة محل قيم التسامح والشراكة والتعايش السلمي التي كانت تميز المجتمع اليمني طوال العقود الماضية.
وغدا التنقل بين العاصمة المختطفة صنعاء والعاصمة المؤقتة عدن أو بقية المحافظات بمثابة سفر شاق ومجازفة محفوفة بالمخاطر والابتزاز والمشاق، عبر طرق بديلة ووعرة تحصد أرواح المسافرين يومياً، بعد أن كانت شبكات الطرق الأسفلتية الحديثة والآمنة تربط أطراف الوطن ببعضها في ساعات قليلة بكل يسر وسهولة وأمان.
الانفتاح السياسي والتعددية الفكرية
تميز عهد الرئيس علي عبدالله صالح بإرساء دعائم النهج الديمقراطي والتعددية السياسية والحزبية وحرية الصحافة والتعبير كخيار استراتيجي لا رجعة عنه وملازم لإعلان الوحدة اليمنية المباركة. وفي تلك الحقبة المضيئة، تنفست الأحزاب والقوى السياسية بمختلف أيديولوجياتها وتوجهاتها السياسية والفكرية نسيم الحرية، ونشأت بيئة سياسية حيوية تفاعلية تمثلت في مجلس النواب والمجالس المحلية والمؤتمرات الحزبية والندوات الفكرية التي جمعت كل أطياف العمل الوطني تحت سقف المصلحة العليا للبلاد والمواطن.
ويقارن اليمني اليوم بمرارة وحسرة بين ذلك الفضاء الديمقراطي الواسع والمفتوح الذي كان يتسع للاختلاف والمعارضة البناءة والنقد الهادف، والواقع الحالي الذي يغيب فيه صوت العقل وتسود فيه سياسة الصوت الواحد وقمع الحريات ومطاردة الكلمة الحرة وأصحاب الرأي والفكر.
إن هذا التراجع المريع في الحريات العامة والسياسية يجعل النخب والشباب والمثقفين يستحضرون بكثير من التقدير والامتنان سعة الصدر والحنكة السياسية التي كان يتمتع بها الرئيس صالح في إدارة التوازنات واحتواء الأزمات السياسية والفكرية عبر الحوار والتوافق والشراكة الوطنية الواسعة.
الوجع الإنساني وصوت المواطن البسيط عشية العيد الوطني
حين يحل الثاني والعشرون من مايو، لا يفكر المواطن اليمني المنهك كثيراً في النظريات السياسية أو المماحكات الحزبية الضيقة، بل يلتفت إلى مائدة طعامه ومستقبل أطفاله الذين حرموا من أبسط حقوق الحياة والتعليم والصحة والخدمات الأساسية. ويتحدث الآباء والأمهات بدموع محبوسة ونبرات حزينة عن تلك الأيام التي كان فيها الراتب الشهري منتظماً ومقدساً ومجزياً، وكانت فيه المستشفيات والمدارس الحكومية تفتح أبوابها بالمجان لجميع أبناء الشعب دون تمييز أو مشقة أو فرض جبايات ورسوم ترهق كاهل الأسر المثقلة بالهموم والديون والفقر.
إن الوجع الإنساني يتجلى بأبهى وأقسى صوره في مخيمات النزوح وصفوف الانتظار الطويلة وفي ملامح الوجوه المتعبة التي أرهقتها الحروب والنزاعات الداخلية المستمرة، والذين يرون في ذكرى الوحدة ومضات من زمن الاستقرار والأمن الغذائي والمجتمعي المفقود.
ويتساءل المواطن البسيط بنبرة تملؤها الحسرة والأمل في آن واحد: متى تعود الدولة الحقيقية التي تجمع شملنا وتنهي شتاتنا وتوفر لنا سبل العيش الكريم والآمن تحت راية النظام والجمهورية العادلة والمستقرة.
المسؤولية التاريخية واستعادة روح الدولة والجمهورية
إن هذا الحنين الجارف والتدفق العاطفي والإنساني نحو عهد ومكتسبات ومنجزات الرئيس الزعيم علي عبدالله صالح، ليس بكاءً على الماضي أو رغبة في الهروب من استحقاقات الحاضر، بل هو استفتاء شعبي حقيقي وعفوي على الخيارات الوطنية الصحيحة التي يحتاجها اليمن للنهوض من كبوته الراهنة واستعادة عافيته المفقودة.
وتؤكد القراءة والتحليلات السياسية الرصينة للمشهد اليمني أن المخرج الحقيقي والوحيد من دوامة التشظي والانقسام الراهن يكمن في استلهام الدروس والتجارب الغنية من ذلك العهد، والعودة الصادقة والملحة إلى مسار بناء الدولة المؤسسية القوية القائمة على سيادة القانون والنظام والدستور والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
على كافة القوى والمكونات السياسية والاجتماعية اليمنية اليوم أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية والوطنية أمام الشعب والأجيال القادمة، وأن تترفع فوق المصالح والمكاسب الأنانية والضيقة والارتباطات الخارجية، لتلتقي على كلمة سواء هدفها الأساس والأسمى إسقاط الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة المختطفة والمنقسمة، وإعادة الاعتبار لروح الجمهورية الخالدة وقيم ومبادئ الثاني والعشرين من مايو المجيد.
إن الوفاء الحقيقي لتضحيات الشهداء الأبرار وفي مقدمتهم الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح يتطلب العمل الدؤوب والمخلص لإنهاء معاناة الإنسان اليمني، وتحويل الحنين والأمل الشعبي إلى واقع ملموس يعيد لليمن هيبته واستقراره ومكانته الرفيعة بين الأمم والشعوب.