كهرباء عدن.. فوضى الإدارة وشبكات المصالح التي تبتلع المنح السعودية والإماراتية (تقرير)
تحتل أزمة الطاقة الكهربائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن صدارة المشهد الخدمي والإنساني بوصفها واحدة من أعقد المعضلات التي تواجه المدينة منذ سنوات طويلة.
لم تعد مسألة انقطاع التيار الكهربائي مجرد خلل فني عابر، بل تحولت إلى أزمة بنيوية ترتبط بالسياسة والاقتصاد والإدارة، وتلقي بظلالها القاتمة على حياة المواطنين اليومية وتحركاتهم في الشوارع.
على مر العقد الماضي، شهد هذا الملف تدخلات إقليمية بارزة ومستمرة قادتها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عبر تقديم منح مالية وعينية بمليارات الدولارات لانتشال المنظومة المتهالكة من حافة الانهيار التام.
ومع ذلك، يجد سكان المدينة أنفسهم اليوم في مواجهة صيف لاهب تنقطع فيه الكهرباء لقرابة ثلثي اليوم، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مصير تلك المساعدات السخية، والجهة التي انتهت إليها، والدور الحقيقي الذي تضطلع به الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في إدارة هذا الملف الذي تحول إلى واحدة من أبرز صور الفشل الإداري والفساد المالي.
الدعم الإماراتي والسعودي.. إنقاذ متكرر دون نتائج مستدامة
منذ تحرير عدن، لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً محورياً في إعادة تشغيل المرافق الخدمية، وكان قطاع الكهرباء في مقدمة الأولويات، حيث موّلت عمليات صيانة عاجلة للمحطات، وقدمت مولدات كهربائية ووقوداً وقطع غيار، وأسهمت في تنفيذ مشاريع استراتيجية كان أبرزها إنشاء محطة الطاقة الشمسية بقدرة 120 ميجاوات، في أكبر مشروع للطاقة المتجددة في تاريخ اليمن.
وفي مرحلة لاحقة، تحملت المملكة العربية السعودية العبء الأكبر في توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، عبر منح نفطية متعاقبة بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات، بهدف منع انهيار الخدمة وتخفيف الضغط على الاقتصاد الوطني.
غير أن هذه المساعدات، على ضخامتها، لم تنعكس بصورة دائمة على حياة المواطنين، إذ سرعان ما كانت ساعات الإطفاء تعود إلى سابق عهدها، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول كيفية إدارة هذه الموارد الضخمة.
أين ذهبت المساعدات؟
لا يبدو أن المشكلة تكمن في حجم الدعم الذي حصلت عليه عدن، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا الدعم.. فخلال سنوات طويلة، تحولت المنح والمساعدات إلى وسيلة لإدامة الأزمة بدلاً من إنهائها، حيث جرى توجيه الجزء الأكبر منها نحو عقود شراء الوقود والطاقة المستأجرة، وهي عقود تستهلك مبالغ طائلة بشكل يومي دون أن تخلق حلولاً دائمة.
كما أن غياب الشفافية والمحاسبة فتح الباب أمام شبهات واسعة تتعلق بإهدار المال العام، واستمرار شبكات المصالح المرتبطة باستيراد الوقود وتشغيل محطات الطاقة المؤقتة، وهي شبكات تحقق أرباحاً ضخمة من بقاء الأزمة واستمرار الحاجة إلى التعاقدات الطارئة.
ويؤكد مراقبون أن مليارات الدولارات التي قُدمت لقطاع الكهرباء كان يمكن أن تؤسس لمنظومة مستقرة لو تم توظيفها وفق رؤية وطنية بعيدة عن الفساد والمحاصصة، إلا أن سوء الإدارة وغياب الرقابة جعلا هذه الأموال تتبخر دون تحقيق تحول حقيقي في واقع الخدمة.
الفساد
تتحمل الحكومة اليمنية المسؤولية الكاملة عن استمرار أزمة الكهرباء في عدن، ليس بسبب نقص الدعم أو غياب الإمكانات، وإنما نتيجة الفشل الإداري والفساد الذي رافق هذا الملف منذ سنوات.. فالحكومات المتعاقبة لم تضع استراتيجية حقيقية لإنهاء الأزمة، واعتمدت بصورة شبه كاملة على المنح الخارجية، بينما تُرك قطاع الكهرباء رهينة لمصالح نافذين وتجار وقود وشركات طاقة مستأجرة تستفيد مالياً من استمرار الوضع القائم.
كما فشلت الجهات الحكومية في فرض رقابة فعالة على كميات الوقود المخصصة للمحطات، وسط اتهامات متكررة بعمليات تسريب وتهريب وبيع في السوق السوداء، إضافة إلى غياب الشفافية في إدارة العقود والمناقصات المتعلقة بالطاقة.
ويبرز القصور الحكومي أيضاً في العجز عن تحصيل إيرادات الكهرباء وإصلاح المؤسسة العامة للكهرباء وإخضاعها لإدارة مهنية مستقلة، الأمر الذي جعل القطاع يعيش على المساعدات الخارجية دون أن يمتلك أي مقومات للاستدامة.
أزمة إرادة لا أزمة إمكانات
إن واقع الكهرباء في عدن اليوم يعكس أزمة حكم وإدارة أكثر مما يعكس أزمة موارد أو إمكانات. فالدعم الإقليمي الذي قدمته الإمارات والسعودية أسهم مراراً في إنقاذ المدينة من الانهيار الكامل، لكن الفساد الحكومي وسوء إدارة الموارد حالا دون تحويل تلك المساعدات إلى مشاريع مستدامة تخدم المواطنين.
ولذلك، فإن أي حديث عن حلول حقيقية لأزمة الكهرباء سيظل ناقصاً ما لم يقترن بإصلاح جذري لآليات إدارة القطاع، ومحاسبة المتورطين في إهدار المال العام، وإنهاء شبكات المصالح التي حولت معاناة ملايين السكان إلى مصدر للنفوذ والثراء.
لقد أثبتت التجربة أن عدن لا تعاني من نقص في الدعم، وإنما من غياب الإدارة الرشيدة والإرادة السياسية القادرة على حماية هذا الدعم من الفساد وتحويله إلى خدمة عامة مستقرة تليق بالمواطنين.