الشرعية اليمنية وسؤال الجدية.. استنزاف الثقة قبل الميدان
في غمرة النزيف اليمني الممتد، عادت دباغة التصريحات السياسية لتصبغ وجه المشهد بلون الحسم؛ تعالت أصوات الوعيد من أروقة المجلس الرئاسي والحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، ترافقها أصداء إقليمية تجزم بأن ساعة الخلاص من الانقلاب الحوثي قد دقت، وأن استعادة العاصمة المختطفة صنعاء باتت قاب قوسين أو أدنى. تجسد هذا الوعيد ميدانياً في استعراضات عسكرية مهيبة للجيش الوطني والقوات النظامية، وتُرجم عملياً بلغة النار عندما حُسم الأمر في الأجواء ومُنعت الطائرة الإيرانية من تدنيس مدرج مطار صنعاء، وتلقى الحوثيون ضربات قاسية مسحت غطرسة تهديداتهم للمملكة العربية السعودية وحصارهم الملاحي المزعوم.
في تلك اللحظات الخاطفة، تنفس السواد الأعظم من أبناء الشعب اليمني الصعداء، واشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بفيض من الأمل المستبشر بانتهاء المشروع الخميني العابر للحدود.
غدا خيار الحرب العسكرية، على مرارته وقسوته، في وعي اليمني المطحون بمثابة الجراحة القيصرية الضرورية، الخيار الأوحد والأنصع لاستئصال ورم خبيث لا يرتوي من دماء اليمنيين ولا يفقه لغة الحوار.
لكن، وكأن هذا الوطن محكوم عليه بدوران دائم في حلقة مفرغة، سرعان ما بدأت سحب التفاؤل بالانقشاع.
ومن يوم إلى آخر، أخذ زخم الحسم العسكري يتبخر في الهواء، وتحولت الطبول المدوية إلى همس خافت في كواليس التسويات والمقايضات السياسية.
هذا التراجع المتكرر لم يكن مجرد كبوة جواد، بل صدمة عنيفة أصابت الوجدان الوطني، وأعادت إحياء الخيبات السابقة التي عانى منها اليمنيون طيلة سنوات مضت.
إن المعضلة الحقيقية التي تواجه الشرعية اليوم لا تكمن في نقص العتاد ولا في غياب الرجال؛ فالشعب الذي قدم قوافل الشهداء مستعد لتقديم المزيد إن رأى راية صادقة.
المعضلة تكمن في القرار السيادي الفعلي والجدية المطلقة في المضي بالمعركة حتى نهايتها دون الالتفات إلى خطوط حمراء يضعها المجتمع الدولي، أو مساومات تفرضها مصالح عابرة.
إن الجلوس على طاولة المفاوضات مع مليشيا عقائدية ترى في السلام انتحاراً، وفي الهدنة فرصة للتحشيد، هو محض وهم يرفضه الواقع والتاريخ.
لقد سئم اليمني الغارق في الفقر والتشرد والنزوح من دورات الوعيد الدبلوماسي التي تنتهي دائماً بتقديم التنازلات تحت لافتة التسويات السياسية.
إن فقدان الثقة بين المواطن وقيادته الشرعية هو أخطر من خسارة معركة على الأرض؛ لأنه يورث اليأس ويئد الأمل في نفوس جيل كامل يتطلع للحرية والجمهورية.
على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية أن يدركوا أن رهان المليشيا الحوثية يرتكز تماماً على هذا التراخي والتردد.
وأن إحياء آمال اليمنيين لا يكون بالشعارات الرنانة ولا بالاستعراضات الإعلامية، بل بالفعل الجاد والتحرك الشامل الذي يضع حداً لمعاناة شعب بأكمله.
إن التاريخ لا يرحم الواقفين في المناطق الرمادية، وإما أن تكون الشرعية بمستوى طموحات وتضحيات هذا الشعب العظيم، أو أنها ستترك الساحة لوعود تذروها الرياح، لتظل صنعاء تنزف، ويظل اليمنيون يبحثون عن مخلص يملك شجاعة البدء، وعزيمة الختام.