الخليج خسر الأصدقاء ولم يكسب الأعداء

مع تطورات الأزمة في منطقة الخليج العربي نتيجة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تقف دول الخليج في حالة ارتباك واضحة بين طرفين متصارعين. فهي لا تستطيع أن تؤيد هذا الطرف تأييدًا كاملًا، ولا ذاك، خشية الإضرار بمصالحها الاقتصادية والأمنية. وهذا أمر يمكن تفهّمه في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي؛ فمن جهة تتعرض هذه الدول لضغوط وتهديدات أمنية متكررة، ومن جهة أخرى تواجه مطالب متزايدة لتحمّل أعباء الصراعات الدائرة في المنطقة.

غير أن المشكلة الأعمق، في نظر كثير من المراقبين، هي أن دول الخليج لم تنجح في بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين الحقيقيين القادرين على الوقوف إلى جانبها عند الأزمات. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من الأسباب.

أولًا، اعتمدت بعض السياسات الخليجية على إضعاف الدول المجاورة أو إبقائها في حالة تبعية، من خلال دعم شخصيات وكيانات أثبتت عبر السنوات محدودية قدرتها على بناء مؤسسات قوية أو تحقيق استقرار دائم.

ثانيًا، اتسمت العلاقة مع بعض الجيران في أحيان كثيرة بالتعالي أو عدم احترام الخصوصيات الوطنية، وهو ما أضعف الثقة المتبادلة وأفقد هذه الدول رصيدًا مهمًا من التعاطف والدعم الشعبي والرسمي.

ثالثًا، ساد الاعتقاد بأن المال وحده قادر على تحقيق النفوذ وضمان الولاءات، بينما أثبتت التجارب أن النفوذ المستدام يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وبناء المؤسسات، لا على التمويل وحده.

كما أن محاربة الأصوات المستقلة أو محاولة احتوائها، وإنشاء كيانات تخدم المصالح الآنية أكثر من خدمتها لمشروع الدولة، أدى إلى إضعاف المجتمعات والدول التي كان يفترض أن تكون عمقًا استراتيجيًا للخليج. ويظهر ذلك بوضوح عندما تُربط تحركات بعض القوى المحلية أو العسكرية بمدى ارتباطها بالمصالح الخليجية المباشرة، لا بالمصلحة الوطنية لتلك الدول.

إن تراكم هذه السياسات، إلى جانب عوامل إقليمية ودولية أخرى، أسهم في وصول المنطقة إلى مرحلة شديدة الحساسية، حيث يلوح خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.

إن بناء الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالتحالفات الخارجية أو الإنفاق العسكري، بل يحتاج أيضًا إلى كسب احترام الجيران، وبناء شراكات متوازنة، ودعم استقرار الدول المحيطة على أساس المصالح المتبادلة. فالدول التي تخسر أصدقاءها قد تجد نفسها، عند اشتداد الأزمات، أمام خصوم كثر وحلفاء قليلين.