عزفٌ على أوتار أغسطس: في دلالة الأربعين وخلود الفكرة.. "المؤتمر" حادي الميثاق ورافعة الدولة
ومع تباشير أغسطس، هذا الشهر الذي يحمل في طياته هبوب الذاكرة الوطنية ووهج التحولات الكبرى، تطلّ على اليمنيين ذكرى تفرض نفسها على العقل السياسي بوقار وثقل استثنائيين؛ إنها الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، ذاك التنظيم الرائد الذي لم يكن يوماً مجرد رقم في جغرافيا الأحزاب، بل كان لثلاثة عقود ويزيد، هو بيضة القبان وصمام أمان الدولة، في تداخل بنيوي فريد صاغ ملامح اليمن الحديث وعاش في تفاصيل نهضته واستقراره.
إن الكتابة عن المؤتمر اليوم، ونحن نستبق الزمن بأسابيع قليلة تفصلنا عن يومه الخالد والمشهود في الرابع والعشرين من أغسطس، ليست مجرد استدعاء لحدث عابر، بل هي وقفة إجلال واعية أمام ظاهرة سياسية يمنية خالصة، ولدت من رحم المعاناة، ونمت في مناخات العطاء، لتصبح الرافعة التاريخية التي عبرت بالبلاد نحو ضفاف الاستقرار والتنمية والوحدة.
ولكي نفهم مغزى هذا الحضور الممتد وعظمة هذا التاريخ، يتعين علينا العودة بالذاكرة إلى مطلع الثمانينيات، تلك الحقبة الحرجة التي تجلت فيها عبقرية التأسيس في اجتراح صيغة المؤتمر الشعبي العام عام 1982 كبوتقة وطنية فريدة، لم تأتي لتفرض أيديولوجيا مستوردة أو قالباً جاهزاً، بل جاءت كمظلة جبهوية عريضة تستوعب كل أبناء الوطن على اختلاف مشاربهم؛ حيث التحمت فيه كل القوى الحية، وتكاملت حكمة القبيلة مع طموح النخبة والقادة، لينتج عن هذا المزيج العجيب وثيقة المؤتمر الخالدة ودليله الفكري... الميثاق الوطني، الذي صاغ هوية يمنية وسطية، جامعة، نابعة من تراب الأرض وقيم العقيدة، بعيداً عن الغلو والشطط. ومنذ تلك الولادة التاريخية، تحول المؤتمر من تنظيم لإدارة المرحلة إلى صانع حقيقي للتحولات الكبرى، فكان هو الرافعة السياسية الفذة التي قاد بها الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح السفينة نحو المنجز الأبرز والأعظم في تاريخ اليمن المعاصر.... تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في الثاني والعشرين من مايو 1990، والولوج الشجاع بالبلاد إلى عصر التعددية السياسية والديمقراطية وحرية التعبير.
لقد تميز المؤتمر الشعبي العام طوال مسيرته حتي اليوم بمرونة فائقة وقدرة هائلة على البناء والابتكار، مستنداً إلى فلسفة وطنية راسخة جعلت من خدمة المواطن وإعلاء المصلحة العليا للوطن غايتها الأسمى، مما جعله محور الارتكاز الحقيقي في شبكة الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
واليوم، ومع اقتراب الرابع والعشرين من أغسطس الخالد، يتجدد في نفوس اليمنيين الأمل واليقين بأن الإرث الفكري والسياسي للمؤتمر الشعبي العام، المتمثل في قيم الوسطية، والاعتدال، والقدرة الفذة على صياغة التوافقات الكبرى، يظل هو الحاجة الملحة والوصفة الإنقاذية الغائبة التي يتطلع إليها الجميع لاستعادة ألق الدولة وهيبتها ومؤسساتها.
إن هذه المناسبة العظيمة تأتي لتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المؤتمر، الشعبي العام برصيده النضالي الطويل وتجربته الثرية في قيادة التنمية وحفظ السلم الاجتماعي، يظل ركيزة أساسية وصخرة صلبة في مداميك الحاضر والمستقبل؛ فالتاريخ يعلمنا أن التنظيمات التي تتجذر في تراب الوطن وتستمد شرعيتها من نبض شعبها، تظل دائماً منبعاً للحلول وصانعة للسلام، ويبقى أغسطس يجدد في كل عام وعد الوفاء لفكرة وطنية ولدت لتبقى، وتقود اليمن دائماً نحو آفاق العزة والبناء.