جنود المقاومة الوطنية بين حصارين في رأس العارة: الحوثيون من جهة وقوات موالية للشرعية من جهة أخرى

يواجه المئات من أفراد قوات المقاومة الوطنية، منذ أيام، أوضاعاً إنسانية وعسكرية بالغة الخطورة في منطقة رأس العارة ورأس عمران على تخوم عدن ولحج، إثر فرض حصار عليهم ومنع وصول الماء والغذاء والإمدادات الأساسية، بالتزامن مع تعرض مواقعهم ومركباتهم لهجمات بطائرات مسيّرة تابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية.

وتقول إفادات عدد من الجنود إنهم باتوا عالقين بين خطر الهجمات الحوثية من جهة، وضغوط وتهديدات تُمارس عليهم من قوات ومجموعات مسلحة في المنطقة من جهة أخرى، في وقت لم تعلن فيه وزارة الدفاع، حتى الآن، عن إجراءات واضحة لاستقبال القوات المنسحبة من جبهات الساحل وإعادة تنظيمها عسكرياً.

وتثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة بشأن مسؤولية مؤسسات الدولة والقيادة العسكرية عن حماية أفراد القوات التابعة لها، خصوصاً أن الجنود يقولون إنهم لا يملكون خياراً آمناً لمغادرة المنطقة أو الوصول إلى مناطق سيطرة الحكومة دون التخلي عن أسلحتهم ومركباتهم العسكرية.

حصار جنود بلا ماء وغذاء

أحد الجنود، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خشية تعرضه للملاحقة، قال إن أفراد القوة يعانون من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، مؤكداً أن القيود المفروضة عليهم لا تقتصر على منعهم من الوصول إلى عدن، وإنما تشمل، بحسب إفادته، عرقلة وصول المياه والمواد الغذائية إليهم.

وأضاف أثناء حديثه لمراسل وكالة "خبر" أن الجنود يجدون أنفسهم أمام خيارين شديدي الخطورة: البقاء في مواقعهم تحت تهديد الهجمات الحوثية، أو الخضوع لضغوط محلية يقولون إنها تهدف إلى إجبارهم على التخلي عن أسلحتهم والمركبات العسكرية التي بحوزتهم.

وبحسب إفادات جنود آخرين، فقد تعرضت مواقعهم خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة، كان آخرها مساء يوم الأحد، وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الأفراد واحتراق مركبات عسكرية.

وتُظهر تسجيلات مرئية حصلت عليها وكالة "خبر" مركبات عسكرية محترقة، قال الجنود إنها دمرت جراء هجمات بطائرات مسيّرة حوثية.

ابتزاز وإجبار على تسليم السلاح

وتتحدث إفادات الجنود عن حملة ضغط محلية قالوا إنها استهدفت أيضاً المتاجر ونقاط بيع المواد الغذائية في المنطقة، بهدف الحد من قدرة الجنود على شراء احتياجاتهم اليومية، ودفعهم، بحسب روايتهم، إلى الرضوخ لشروط تسليم الأسلحة والذخائر والمركبات أو بيعها.

ويقول الجنود لوكالة "خبر" إن قوات تابعة لألوية العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن وقوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب مجموعات قبلية في المنطقة، فرضت طوقاً أمنياً على مواقع وجودهم، ومنعتهم من التحرك نحو عدن أو لحج أو تعز أو شبوة أو مأرب وحضرموت، ما لم يسلموا أسلحتهم ومركباتهم.

وتضيف الإفادات أن بعض القوات المشاركة في الطوق وصفت الجنود بـ"الخونة"، على خلفية انسحابهم من جبهات الساحل، وطالبتهم بتسليم الأسلحة والذخائر والآليات، مقابل منحهم ما وصفوها بـ"استلامات" محلية.

ويرفض الجنود هذه الترتيبات، قائلين إن أي عملية تسليم للأسلحة والمركبات يجب أن تتم عبر وزارة الدفاع والجهات العسكرية المختصة، وبموجب إجراءات رسمية تضمن حقوقهم وتحفظ مسؤولية الدولة عن العهد العسكرية.

من المسؤول عن حماية القوة؟

وتضع هذه الوقائع، مسؤولية مباشرة على المؤسسات العسكرية والحكومية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الدفاع وقيادة القوات المسلحة ومجلس القيادة الرئاسي، باعتبارها الجهات المسؤولة عن حماية أفراد القوات التابعة للدولة وتنظيم انسحابها وإعادة انتشارها، وليس تركها عرضة للحصار أو الابتزاز أو المخاطر الأمنية.

كما تطرح التطورات أسئلة بشأن دور التحالف العربي الداعم للحكومة اليمنية، خصوصاً في ما يتعلق بضمان عدم تحول المناطق المحررة إلى ساحات صراع داخلي بين تشكيلات عسكرية يفترض أنها تعمل ضمن المعسكر المناهض للحوثيين.

وتزداد حساسية هذه المسؤولية في ظل وجود قيادات في مجلس القيادة الرئاسي تتمتع بنفوذ مباشر أو غير مباشر على تشكيلات عسكرية وأمنية موجودة في عدن ولحج والساحل الغربي، وهو ما يجعل الصمت الرسمي، في حال استمرار هذه الوقائع، موضع مساءلة سياسية وعسكرية.

ولا يعني ذلك إثبات مسؤولية شخصية عن كل واقعة منسوبة إلى أفراد أو مجموعات على الأرض، لكن مسؤولية القيادة العليا تتمثل في منع وقوع الانتهاكات، والتحقيق فيها عند حدوثها، وضمان حماية منتسبي القوات النظامية أياً كانت مناطق انتشارهم أو الجهات التي ينتمون إليها.

قتلى ونهب بعد اجتياز الطوق

ولا تتوقف المخاوف عند الجنود المحاصرين في رأس العارة، إذ تتحدث إفادات عسكرية وحقوقية عن حوادث قتل ونهب تعرض لها أفراد وقادة من المقاومة الوطنية ممن تمكنوا من تجاوز مناطق الطوق.

وبحسب هذه الإفادات، فقد تعرض جنود للقتل ونهب أسلحتهم في مناطق بردفان بمحافظة لحج ومدينة الضالع، فيما لاحقت مجموعات مسلحة آخرين في عدن، مع تسجيل حالات نهب لمركبات عسكرية كانت بحوزتهم.

وتحتاج هذه الوقائع إلى تحقيق مستقل وشفاف يحدد هوية المسؤولين عنها، وظروف وقوعها، وما إذا كانت جزءاً من نمط منظم لاستهداف القوات المنسحبة من الساحل، أم حوادث منفصلة ارتكبها أفراد أو مجموعات محلية.

انسحاب من الساحل لا يبرر العقاب

وكانت القوات الحكومية قد دفعت بتعزيزات إلى جبهات الساحل الغربي خلال الفترة الماضية لمواجهة التصعيد الحوثي، قبل أن تتعرض مواقع في مديريات الساحل لقصف صاروخي وهجمات جوية ومساعٍ حوثية للتقدم البري.

ويقول الجنود إن الانسحاب من تلك الجبهات جاء في سياق انهيار الوضع الميداني، وإنهم ينتظرون توجيهات القيادة العسكرية لإعادة ترتيب صفوفهم، وليس تسليم أسلحتهم لقوى محلية خارج التسلسل القيادي لوزارة الدفاع أو لأي تشكيلات عسكرية لم تخول لها الوزارة ذلك بموجب سندات رسمية.

وبغض النظر عن التقييم العسكري لقرار الانسحاب أو أسبابه، فإن مساءلة الجنود عن أدائهم القتالي يجب أن تتم، إن اقتضى الأمر، وفق القوانين واللوائح العسكرية، وليس من خلال الحصار أو قطع الإمدادات أو التهديد أو الإكراه على تسليم السلاح.

أربعة أيام من الصمت الرسمي

ويقول الجنود إن وزارة الدفاع لم تتخذ، منذ أربعة أيام، إجراءات معلنة لوقف الانتهاكات، أو تشكيل لجنة عسكرية لاستقبال القوات وإعادة توزيعها وتنظيم أوضاعها.

ويطالب الجنود قيادة وزارة الدفاع ومجلس القيادة الرئاسي بالتدخل العاجل، وفتح ممر آمن لخروجهم، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وإعادة تنظيم القوة ضمن مؤسسات الدولة، مع التحقيق في أي اعتداءات أو عمليات نهب أو قتل تعرض لها أفرادها.

وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في ظل استمرار التهديد الحوثي، إذ إن ترك قوة عسكرية محاصرة بين جبهتين لا يخدم سوى إضعاف الجبهة المناهضة لمليشيا الحوثي وخلق بيئة خصبة لمزيد من الفوضى والانقسامات.

شهادات ناقصة وخوف من الانتقام

وتشير مصادر عسكرية وحقوقية إلى أن المعلومات المتداولة بشأن ما تعرض له الجنود لا تزال غير مكتملة، بسبب خشية عدد من الضحايا والشهود من الكشف عن تفاصيل ما جرى.

ويقول هؤلاء إن بعض الجنود والقيادات يتحفظون عن الحديث عن وقائع أكثر خطورة، خشية الملاحقة أو الاعتقال أو الانتقام، في ظل غياب ضمانات معلنة لحمايتهم.

ويجعل هذا الوضع من فتح تحقيق مستقل وشفاف أمراً ملحاً، ليس فقط لكشف حقيقة ما جرى في رأس العارة ورأس عمران، وإنما أيضاً لمنع تحول الحوادث الفردية أو الانتهاكات المحتملة إلى أزمة أوسع داخل القوات المناهضة للحوثيين.

مسؤولية الدولة قبل الحسابات السياسية

وبينما تظل الاتهامات الواردة في شهادات الجنود بحاجة إلى تحقق وتحقيق رسمي مستقل، فإن المبدأ الأساسي لا يحتاج إلى انتظار نتائج التحقيق. حيث لا ينبغي أن يتحول الجندي التابع للدولة إلى رهينة للخلافات بين التشكيلات العسكرية أو الحسابات السياسية والمناطقية.

ويقع على مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع، وبدرجة مماثلة على القيادات العسكرية والأمنية الفاعلة في عدن ولحج، واجب واضح في حماية القوات، وتأمين احتياجاتها، وضمان مرورها الآمن، ومنع أي جهة من إجبار أفرادها على تسليم أسلحتهم خارج الأطر العسكرية الرسمية.

كما تقع على عاتق التحالف العربي الداعم للحكومة مسؤولية سياسية وأمنية في دعم مؤسسات الدولة ومنع الانتهاكات داخل المناطق المحررة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقوات يفترض أنها جزء من المعسكر العسكري نفسه في مواجهة مليشيا الحوثي.

وتؤكد مصادر حقوقية، أن إفادات الجنود بشأن الحصار والابتزاز ومنع الغذاء والماء والقتل والنهب، تشير إلى أن القضية لم تعد مجرد خلاف ميداني بين تشكيلات مسلحة، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة والتحالف على حماية منتسبي القوات التابعة لهما، وفرض الانضباط العسكري والقانون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وفي نهاية المطاف، فإن حماية الجنود وإخضاع أي انتهاكات للتحقيق والمساءلة ليست امتيازاً تمنحه قيادة عسكرية أو جهة محلية، بل التزام يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها، ولا يمكن إسقاطه بسبب الانسحاب من جبهة أو اختلاف الولاءات أو التباينات السياسية والعسكرية.